دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٥٨ - الخبر و الإنشاء
و ثالثا: إنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من أنّ الأمور الإنشائيّة يكون حصولها بالاعتبار القائم بالنفس و لا يحتاج إلى اللّفظ، بل اللّفظ مبرز لذلك الاعتبار، لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الإنشائيّات و إن كان اعتبارها بالنفس، إلّا أنّها أمور إبرازيّة أيضا، فما لم يكن في البين إبراز لا يحصل ذلك الأمر الاعتباري حتّى في اعتبار المعتبر، فلو اعتبر الدائن براءة ذمّة المديون، و لكن لم يبرز أصلا، لم يكن إبراء بوجه، حتّى بنظره (قدّس سرّه)، فلو سألناه عن إبرائه ذمّة زيد- مثلا- فلا يصحّ له أن يقول إخبارا (إنّه بريء الذمّة) و يصحّ أن يقول: (إنّه بريء الذمّة) إنشاء، فإبراء الذمّة لم يحصل حتّى بنظر المعتبر قبل الإبراز، فكيف يعتبره موجودا قبل الإبراز؟
و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ قول المخبر (بعت داري بكذا) في مقام الإخبار، و قول منشئ البيع في مقام إنشائه (بعت داري بكذا) لا يختلفان في المستعمل فيه، بل المستعمل فيه في كلا المقامين هو صورة وقوع البيع خارجا، و لكنّ الغرض من إلقاء تلك الصورة إلى ذهن المخاطب يختلف، ففي مقام الإخبار يكون غرضه أن يفهم السامع الوقوع الخارجي، مع قطع النّظر عن هذا الاستعمال، سواء كان السامع بعد التفاته إلى وقوعه بصورته جازما به أو ظانّا أو شاكّا أو حتّى جازما بالعدم؛ و لذا يصحّ أن ينسب إلى المتكلّم أنّك ذكرت لنا وقوع البيع، كما يصحّ للمتكلّم أن يقول:
ذكرت لكم وقوع البيع، و في مقام الإنشاء يكون غرضه من إحضار صورة وقوع البيع هو أن يتحقّق ذو الصورة خارجا بذلك الإحضار بالتكلّم أو بغيره، فلو باع الوكيل متاعا و حين إنشاء الوكيل البيع قال المالك لشخص آخر: (بعت مالي) إخبارا ببيع وكيله، لم يكن قول المالك إنشاء، بل هو إخبار، يخالف قول وكيله لمشتري المتاع: (بعت) فإنّه إنشاء.