دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢٩٤ - بيان مسلك الجبر و شبه الجبر و إبطالهما
إن قلت: إنّ الكفر و العصيان من الكافر و العاصي و لو كانا مسبوقين بإرادتهما، إلّا أنّهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار، كيف؟ و قد سبقهما الإرادة الأزليّة و المشيّة الإلهيّة، و معه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالآخرة بلا اختيار؟.
قلت: العقاب إنّما بتبعة الكفر و العصيان التابعين للاختيار الناشئ عن (تعالى) و مشيّته، حيث إنّ خطور الفعل و التصديق بفائدته و الميل (أي هيجان الرغبة) و الجزم بعدم المانع لا يكون من واجب الوجود حتّى لا يحتاج إلى علّة، و لا يكون حصولها بإرادة العبد و إلّا لزم التسلسل، فلا بدّ من أن يؤثّر فيها إرادة اللّه (تعالى) و مشيّته، فتكون النتيجة أنّ العقاب و المؤاخذة تكون على ما يكون بالمآل بلا اختيار، و هذا في الحقيقة مذهب الجبرية، و هو أنّ المؤثّر في فعل العبد إرادة اللّه (تعالى) و مشيّته.
و أجاب عن ذلك أنّ العقاب يكون على الكفر و العصيان، و بتعبير آخر:
استحقاق العقاب يتبع الكفر و العصيان (أي يلزمهما) و الكفر و العصيان يتبعان إرادتهما، و إرادتهما ناشئة عن مبادئها الناشئة عن الشقاوة الذاتية للكافر و العاصي، و اللازم الذاتي لا يحتاج إلى الجعل و العلّة، فإنّ «السعيد سعيد في بطن أمّه، و الشقيّ شقيّ في بطن أمّه» [١]، و «النّاس معادن كمعادن الذهب و الفضة» [٢] كما في الخبر.
و عليه فالإطاعة و الإيمان من المؤمن و المطيع تتبع إرادتهما الناشئة من مبادئها الناشئة عن السعادة الذاتية اللازمة لخصوص الذات، و نتيجة كلّ ذلك، بما أنّ لوازم الذات لا يتعلق بها الجعل، فلا تكون مبادئ إرادة الطاعة و الإيمان أو الكفر و العصيان
[١] التوحيد للصدوق (رحمه اللّه): ص ٣٥٦، الباب ٥٨، الحديث ٣.
[٢] الروضة من الكافي: ٨/ ١٧٧، الحديث ١٩٧؛ مسند أحمد بن حنبل: ٢/ ٥٣٩.