دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢١٠ - المشتق
كل من الاستقلال بالمفهومية، و عدم الاستقلال بها، إنّما اعتبر في جانب الاستعمال، لا في المستعمل فيه، ليكون بينهما تفاوت بحسب المعنى، فلفظ (الابتداء) لو استعمل في المعنى الآلي، و لفظة (من) في المعنى الاستقلالي، لما كان مجازا و استعمالا له في غير ما وضع له، و إن كان بغير ما وضع له، فالمعنى في كليهما في نفسه كلّي طبيعي يصدق على كثيرين، و مقيدا باللحاظ الاستقلالي أو الآلي كلّي عقلي، و إن كان بملاحظة أن لحاظه وجوده ذهنا كان جزئيا ذهنيا، فإنّ الشّيء ما لم يتشخص لم يوجد، و إن كان بالوجود الذهني، فافهم و تأمل فيما وقع في المقام من الأعلام، من الخلط و الاشتباه، و توهم كون الموضوع له أو المستعمل فيه في الحروف خاصا، بخلاف ما عداه فإنّه عام.
جزئيا ذهنيا و كليا عقليا، و إذا أغمض عن اللحاظ الذي هو من كيفيّات الاستعمال و مقدّماته يكون نفس المستعمل فيه كلّيا طبيعيا يصدق على الخارجيات.
أقول: قد تقدّم أنّ المعنى الحرفي يختلف عن المعنى الاسمي و لا اتحاد بينهما أصلا و أنّ الاختلاف ليس بحسب اللحاظ فقط ليقال إنّ اللحاظ غير داخل في المستعمل فيه فيهما، بل قد ذكرنا في الفرق ما ملخّصه: أنّ الحرف إذا ذكر مجرّدا لا يكون له معنى، و إذا دخل على الإسم أو غيره دلّ على خصوصيّة في معنى المدخول بحسب الخارج، فتكون تلك الخصوصية، نسبية و غير نسبية، مثلا إذا قيل (سرت من البصرة إلى الكوفة) فكلمة (من) الداخلة على (البصرة) تدلّ على أنّها في نسبة السير إليها معنونة بعنوان المبدئية له، بخلاف ما إذا قلنا (ابتداء السير)، فإنّ لفظ (الابتداء) يضاف إلى (السير) لا إلى (المكان) فلا يدلّ على خصوصية المبدئية في النسبة ليقال إنّ المستعمل فيه فيهما أمر واحد، و قلنا: إنّ هذا هو السرّ في عدم استعمال أحدهما في موضع الآخر، لا أنّ الاختلاف بينهما يكون بمجرد اللحاظ