الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٥٣١ - هجرته صلى اللّه عليه و سلم و ما وقع فى ذلك من الآيات
أرغموا و ألصقوا بالرّغام و هو التراب، أو أنه سيلصقهم بالتراب بعد هذا، و قد صحّ ما أصاب أحدا منهم تراب إلا قتل كافرا ببدر؛ أى أغلبهم.
فلما انصرف صلى اللّه عليه و سلم أتاهم آت فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا. قال:
خيّبكم اللّه، و اللّه خرج عليكم و ما ترك منكم أحدا إلا وضع على رأسه ترابا و انطلق لحاجته، فما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب. و مع ذلك فقد أخذ اللّه عقولهم و لم يصدقوه، و جعلوا يطّلعون فيرون عليّا متّشحا ببرد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيقولون: و اللّه إن هذا لمحمد نائم. فلم يزالوا كذلك يزعمون أنهم يوقعون به الفعل حتى أصبحوا و اتضح النهار، فقام علىّ- كرم اللّه وجهه- عن الفراش، فقالوا: و اللّه لقد صدقنا الذي كان حدّثنا. فسألوه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: لا علم لى به، و فى هذا نزل قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [١]. و إنما لم يقتحموا عليه صلى اللّه عليه و سلم الجدار؛ لأنهم إنما أرادوا قتله عند طلوع الفجر ليظهر لبنى هاشم قاتلوه، و قيل غير ذلك. و وجود الأسباب المانعة لهم من الوثوب عليه لا ينافى أن المانع لهم عن الوثوب عليه إنما هى حماية اللّه تعالى الموجبة لخذلانهم و إظهار عجزهم، و فى ذلك تصديق لقوله صلى اللّه عليه و سلم لعلىّ: «لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم» على ما تقدم.
فإن قيل: هلا نام صلى اللّه عليه و سلم على فراشه؟ قلنا: لو فعل ذلك لفات إذلالهم بوضع التراب على رءوسهم، و إظهار حماية اللّه تعالى بخروجه عليهم و لم يبصره أحد منهم.
[١] سورة الطور: ٣٠.