الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٣٨٢ - ذكر ما كان يتعبد به النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قبل النبوة
فلم تجده، فشقّ ذلك عليها، فبينا هى كذلك إذ أتاها فحدثها بما رأى و سمع.
و يجمع بأنها كانت تذهب إليه صلى اللّه عليه و سلم أحيانا، و أحيانا يأتيها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أحيانا كانت تبعث إليه بالطعام، و أحيانا كان صلى اللّه عليه و سلم يأتى إليها فيتزوّد من عندها.
قال صلى اللّه عليه و سلم: «ثم حدثتها بالذى رأيت- أى من سماع الصوت و رؤية جبريل و قوله له: يا محمد أنت رسول اللّه- فقالت: أبشر يا ابن عم و أثبت، فو الذي نفسى بيده إنى لأرجو أن تكون نبىّ هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها- أى التي تتجمل بها عند الخروج- ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال ورقة: «قدّوس قدّوس- بالضم و الفتح- و الذي نفسى بيده لئن كنت صدقت يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي يأتى موسى- الذي هو جبريل- و إنه لنبىّ هذه الأمة، فقولى له يثبت» فرجعت و أخبرته بقول ورقه [١].
و تقدم أنها انطلقت برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إليه و أخبره الخبر و قال له ما تقدم.
و يجمع بأن هذا كان قبل مجيء جبريل له بالوحى كما تقدم، و أن ذاك عند مجيئه بالوحى. ثم إذا قلنا بأن مجيء جبريل له بالنّمط كان قبل مجيئه له بالوحى، و تقدم أنه قال صلى اللّه عليه و سلم: «فقرأتها فكأنما كتب فى قلبى كتابا» فهو مناف لقوله: «ما أنا بقارئ»؛ لما جاء يقظة بالوحى و ما بالعهد من قدم إلا أن يقال: يجوز أن يكون جبريل يريد منه قراءة غير الذي قرأه و كتبه فى قلبه، و لا ينافى ذلك قول الحافظ ابن حجر أن القصة لم تعدد و مخرجها متحد؛ لأن مراده قصة مجيء جبريل يقظة باقرأ باسم ربك، و لا مانع من أن يأتيه أولا فى المنام ثم فى اليقظة؛ لأن المقام مقام التمرين كما تقدم، و يكون ذلك من جملة مرائيه الصادقة التي كانت تأتى واضحة جلية.
[١] البيهقي فى دلائل النبوة (٢/ ١٤٨)، سيرة ابن هشام (١/ ٢٥٤، ٢٥٧)، تاريخ الإسلام للذهبى (٣/ ٧١- ٧٢).
و قدّس: الطاهر المنزه عن العيوب و النقائص. و الظاهر أن معناه التعجب.