الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٥٧٣ - كمال خلقته و جمال صورته صلى اللّه عليه و سلم
و وصفه بالعظم دون الكرم الغالب وصفه، أى الخلق به لأن كرمه يراد به السماحة و الدماثة، و خلقه صلى اللّه عليه و سلم غير مقصور على ذلك؛ بل كما كان عنده غاية الرحمة للمؤمنين؛ عنده غاية الغلظة و الشدة على الكافرين باعتبار ما آل إليه أمره صلى اللّه عليه و سلم بعد نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ [١] و إلا فهو صلى اللّه عليه و سلم قبل ذلك كان مأمورا بالصبر على تحمل أذاهم و الإعراض عنهم فاعتدل فيه الإنعام و الانتقام.
أما دعاؤه صلى اللّه عليه و سلم: «و اهدنى لأحسن الأخلاق ...» الحديث، فإنه للعبودية و الخضوع، و إلا فهو مجبول على أكرم الأخلاق و أعظمها؛ و ذلك كله ناشئ عن كمال عقله الذي لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها إلا كحبة رملة من بين جميع رمال الدنيا، كما فى رواية أبى نعيم، و ابن عساكر، عن وهب: أنه وجد فى أحد و سبعين كتابا أن اللّه تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل فى جنب عقله صلى اللّه عليه و سلم إلا كحبة رملة من بين جميع رمال الدنيا [٢].
و محل العقل القلب على الأصح، و القلوب محل الإخلاص، و أسرار البارئ، و أجل قلب أودعه ذلك قلب نبينا صلى اللّه عليه و سلم، و قد جعل اللّه للنفوس أعلاما على أسرار القلوب فمن تحقق بسر اللّه الأكبر اتسعت أخلاقه لجميع الخلق، و قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أوسع قلب اطّلع اللّه عليه- كما ورد، و مما يقطع بصحة ذلك سياسته صلى اللّه عليه و سلم للعرب الذين هم كالوحوش الشاردة، و صبره على طبائعهم المتنافرة المتباعدة، حتى قاتلوا دونه أهاليهم، و هجروا فى رضاه أوطانهم و أحبابهم، مع أنه لم يطّلع على سير الماضين، و لا تعلّم من العقلاء المحدثين.
[١] سورة التحريم: ٩.
[٢] عزاه السيوطى فى الخصائص الكبرى (١/ ١١٤) لأبى نعيم فى الحلية و ابن عساكر.