الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٤٩٨ - تتمة
صلى اللّه عليه و سلم؛ لأنه كلف بذلك ثم نسخ فكان يصليها نفلا، فقد قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري [١]- رحمه اللّه-: و ما قيل من أن الخمس ليلة الإسراء ناسخة للخمسين إنما هو فى حقه صلى اللّه عليه و سلم- لبلوغه له- لا فى حق الأمة: أى لعدم بلوغه لهم، فإذا نسخ فى حقه صلى اللّه عليه و سلم نسخ فى حق أمته كما هو الأصل إلا إن ثبتت الخصوصية بدليل صحيح. كذا قرره بعضهم.
و قرر العلامة الحفنى ما فى «الخصائص الصغرى» للسيوطى- (رحمه الله تعالى)- من أن وجوب الخمسين لم ينسخ فى حقه صلى اللّه عليه و سلم و إنما نسخ فى حق أمته: أى فكان يصليها فرضا، و لعل مستنده فى ذلك رواية: «فرض اللّه على أمتى ليلة الإسراء خمسين صلاة، فلم أزل أراجعه و أسأله التخفيف حتى جعلها خمسا فى كل يوم و ليلة» [٢]. أى على الأمة كما هو المتبادر من قول موسى له صلى اللّه عليه و سلم: أن أمتك لا تطيق ذلك.
و حكمة جعلها خمسين ثم نسخها مع أن اللّه تعالى علم فى أزله أنها خمس: إظهار شرفه صلى اللّه عليه و سلم عند الملائكة بقبول شفاعته فى التخفيف. و قيل غير ذلك.
قال النجم الغيطى- رحمه اللّه-: قال بعضهم: دلت مراجعته صلى اللّه عليه و سلم فى طلب التخفيف تلك المرات كلها على أنه علم أن الأمر فى كل مرة لم يكن على سبيل الإلزام بخلاف المرة الأخيرة و فيها ما يشعر بذلك كقوله: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ [٣] يعنى أنها فى العمل خمس و فى الثواب خمسين؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، و يؤيده قوله صلى اللّه عليه و سلم: «فلم أزل أرجع بين ربى تبارك و تعالى و بين موسى عليه الصلاة و السلام حتى قال اللّه: يا محمد، إنهن خمس صلوات
[١] هو زين الدين أبو يحيى، زكريا بن محمد السنيكى الأنصاري، المصرى الشافعى، القاضى شيخ الإسلام، الحافظ المفسر، الصوفى، حامل لواء الفقه الشافعى و محرر مشكلاته. له تصانيف كثيرة منها: «شرح ألفية العراقى و البخاري» و غيرها. توفى سنة (٩٢٦ ه). انظر: شذرات الذهب (٨/ ١٣٤)، هدية العارفين (١/ ٣٧٤)، الكواكب السائرة (١/ ١٩٦).
[٢] أخرجه مسلم (كتاب الإيمان حديث رقم ٢٦٥)، البيهقي فى الدلائل (٢/ ٣٧٣).
[٣] سورة ق: ٢٩.