الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٣١٩ - سفره صلى اللّه عليه و سلم مرة ثانية إلى الشام
العود، و يحتمل أن الغمامة كانت تسوقها الملائكة فجعلت مظلة كحامل الظلة يسمى مظللا. قال فى «إنسان العيون»: و فى كلام صاحب الهمزية ما يدل على أن المراد بالملكين الغمامة مجاز .. انتهى.
قال بعض المحققين: قلت فيه نظر لا يخفى؛ إذ كون الغمامة تظله فى الذهاب و الملكان فى العود تخصيص بلا مخصص، و إرادة الغمامة بالملكين عدول عن الحقيقة بلا احتياج إليه؛ إذ لا مانع من تظليلهما معا له صلى اللّه عليه و سلم ليحصل بمجموع ذلك شدة الحفظ من حر الشمس؛ إذ الغمامة لبعدها عن الأرض لا تمنع إلا سلطنة الشمس، و لا تدفع الحر من أصله كما هو واضح فى بعض أزمنة الصيف عند عدم ظهور الشمس لوجود غمام و نحوه، فتأمل.
و حينئذ فيكون مرأى ميسرة و مرأى خديجة واحدا و هو تظليل الملائكة على ما تقدم.
(و أخبرها ميسرة بأنّه رأى ذلك) و هو تظليل الملائكة له صلى اللّه عليه و سلم (فى) هذا (السّفر كلّه) ذهابا و إيابا، و إلى ذلك أشار الإمام السبكى- (رحمه الله تعالى)- فى «تائيته» بقوله:
و ميسرة قد عاين الملكان إذ * * * أظلّاك لمّا سرت ثانى سفرة
و هذا هو المعنى بقول «الخصائص الصغرى»: و خص بإظلال الملائكة له فى سفره. و يحتمل أن المراد فى كل سفر سافره، لكن قال فى «إنسان العيون»:
لم أقف على تظليل الملائكة له فى غير هذه السفرة.
و أما تظليل الغمامة له صلى اللّه عليه و سلم فقد وقع مرارا متعددة منها: فى السفرة الأولى مع عمه أبى طالب، و قبل ذلك لما كان صلى اللّه عليه و سلم عند السيدة حليمة.
و قد أشار غير واحد- كما قال ابن حجر (رحمه الله تعالى)-: أنه إنما كان قبل النبوة إرهاصا و تأسيسا لنبوته، و إعلاما له صلى اللّه عليه و سلم بما سيؤول إليه أمره، و أن أمته أكثر الأمم و أنهم قرون متفاوتون، و أن كل قرن مستمد من القرن الذي قبله، و أن الكل مستمدون من ظله صلى اللّه عليه و سلم .. انتهى.