التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ٤٦ - دراسة حكم العقل باستحقاق الذم عند التجري
فمن الآيات قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [١] و قوله تعالى: وَ ذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ [٢] بناء على ما قيل في تفسيره: ما عملتم بجوار حكم و ما نويتم منه بقلوبكم.
و من الأخبار قوله (عليه السلام): «إنّما يحشر الناس على نيّاتهم» [٣].
إلى غير ذلك من الآيات و الأخبار المتواترة، مضافا إلى أنّ رجوع مصلحة عقاب الشارع إلى إصلاح الذات عن الذّميمات و تصفيته عن أدناس الخبثيات- لأجل صيرورته قابلة للفيوضات، لا لأجل تشفّي النفس عن ألم الغضب- أقوى مؤيّد لاستحقاق الفاعل العقاب بمجرّد خبث ذاته و سوء سريرته و إن لم يصدر منه الفعل المذموم.
لا يقال: لو استحقّ الفاعل العقاب على مجرّد خبث ذاته و إن لم يصدر منه الفعل المذموم لاستحقّه قبل كشف التجرّي عنه، عند العالم بالسرائر و الضمائر من غير كاشف.
لأنّا نمنع الملازمة؛ بأنّ استحقاق الفاعل العقوبة على مجرّد مذمّته و خبث ذاته لا يلازم ترتّب العقوبة عليه عقلا إلّا بعد قطع سبيل اعتذار المعاقب و إنكار استحقاقه العقاب، فإنّ إمكان الاعتذار مانع عقلائي عن ترتّب العقوبة على من يستحقّها قبل قطع سبيل الاعتذار و سدّ باب الإنكار، كما لا يخفى على أولى الأبصار.
و لهذا جرى ديدن أرباب العقول من السلاطين، و الأمراء العدول، على الاستشهاد بالطرق المألوفة في إثبات الحقوق حذرا عن شوائب الاتّهام بالجور، و إتماما للحجّة البالغة على أهل المعاصي و الفجور، و على طريقة العقلاء أيضا
[١] البقرة: ٢٨٤.
[٢] الأنعام: ١٢٠.
[٣] الوسائل ١: ٣٤ ب «٥» من أبواب مقدمة العبادات ح ٥، بتفاوت يسير.