التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ١٥ - أحوال المكلّف اذا التفت الى الحكم الشرعى
قوله: «و الثالث مجرى البراءة».
[أقول:] فإن قلت: لا ينحصر الثالث في مجرى البراءة، إذ قد يكون مجرى القرعة، أو أصالة الصحّة، أو الطهارة، أو الإباحة.
قلت: كلام المصنّف بقرينة قوله: «إذا التفت إلى حكم شرعي» [١] صريح في الأحكام، و مجرى ما ذكر من القرعة أو الصحّة أو الطهارة إنّما هو في الموضوعات، مضافا إلى أنّ الصحّة و الطهارة من الأحكام المنجعلة المنتزعة عن الأحكام المجعولة عندنا، لا أنّها أحكام مجعولة بالاستقلال حتى يتكلّم فيها بالأصالة.
و أمّا أصالة الإباحة فهي و إن كانت من الأحكام المجعولة لا المنجعلة، و كان مجراها في الشكّ في الحكم لا الشكّ في الموضوع فقط، إلّا أنّ وجه عدم عدّها من الاصول لعلّه من جهة أنّها من الأدلّة الاجتهادية الناظرة إلى الواقع و الرافعة لموضوع الشكّ، لا من الاصول الجارية في حال الشكّ، فالحاصل منها إذن هو أحد أخوي الشكّ من القطع أو الظنّ دون الشك، لوضوح أنّ حكم العقل بإباحة الأشياء النافعة الخالية عن أمارة المضرّة إنّما هو من جهة النظر إلى عدم المضرّة العقلية واقعا و ارتفاع موضوع الشكّ في المضرّة عقلا بعد فرض خلوّ الواقعة عن أمارة المضرّة لخروج الشكّ مع هذا الفرض عن الشكّ العقلائي، و إلحاقه بالجنون السوداوية، لا من جهة ارتفاع العقاب بقبح العقاب بلا بيان مع بقاء الشكّ في المضرّة و إن صادف المضرّة الواقعية، كما هو مستند أصل البراءة، بل قد صرّح غير واحد من الفحول بأنّ إباحة الأشياء النافعة الخالية عن أمارة المضرّة من مستقلّات العقل التي لا تحتاج إلى واسطة خطاب الشرع، كقبح الظلم، و حسن الإحسان. و أمّا عدّها الفقهاء من غير المستقلّات حيث حصروا
[١] الفرائد: ٢.