التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٠٩ - وجوه الاستدلال بآية النبأ
بل للاستدلال بالآية [١] وجه ثالث سالم عن المناقشات و مبرّأ عن شوائب الإيرادات، إلّا ما يلحق بالمكابرات التي لا مناص عنها في الاستدلالات، و هو الاستدلال بمنطوق الآية و مفهومها الموافقة لا المخالفة بتقريب: أنّ الظاهر من سياق الآية بالنظر إلى ما يفهم من أشباهها و نظائرها في المحاورات العرفية، هو اشتراط قبول قول الفاسق بالتبيّن أو التثبّت على اختلاف القراءات، الأعمّ من تحصيل الظنّ بصدقه و من العلم، على ما في كتب اللغة [٢] من تفسير التبيّن عن الشيء: بطلب ظهوره و وضوحه و الثبات في الأمر، بالأخذ فيه من غير تعجيل، حذرا عن فعل الجهلاء و السفهاء و الوقوع بواسطته في معرض تنديم العقلاء.
و بقرينة ما ذكرنا من كون المراد بالتبيّن هو الأعمّ من الظنّي لا خصوص العلمي يظهر بل يتعيّن كون المراد من الجهالة في التعليل هو السفاهة، لا عدم العلم الأعمّ من الظنّ، كما هو معنى الجهل لغة [٣].
بل لا يبعد دعوى الفرق بين الجهل و الجهالة، و أنّ كثيرا من استعمالات الثاني ورد في فعل ما لا يجوز فعله من السفاهة و عدم المبالاة و التجرّي، و هو أظهر الاحتمالين في قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ [٤] و لعلّه مراد من فسّر الجهالة بإيثار اللذّة الفانية على اللذّة الباقية، و من قال: أجمعت العصابة على أنّ كلّ ما عصي اللّه به فهو جهالة، و كلّ من عصى اللّه فهو جاهل: أي سفيه.
و بالجملة: فليس المراد التحذير عن مطلق حصول الندامة، فإنّ مجرّد حصول الندامة أمر لا ينفكّ عن السالك طريقا لم يوصله إلى الواقع و لو كان طريقا
[١] الحجرات: ٦.
[٢] راجع الفائق ١: ١٤٣، لسان العرب ١٣: ٦٨ مادّة (بين).
[٣] مجمع البحرين ٥: ٣٤٥ مادّة (جهل)، لسان العرب ١١: ١٢٩ مادّة (جهل).
[٤] النساء: ١٧.