الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠١ - غنت جارية صوتا أخذته عنه فأكرمها
خلق اللّه تعالى وجها و غناء. فقلت له: أنت طفيليّ و تطفّل بي! هذه و اللّه أخسّ [١] حال. فقال لي: «دع المجون و قم بنا؛ فهو مكان لا يستحي حرّ أن يتطفل عليه. فقمت معه، فقصد بي دار رجل من فتيان أهل «سرّ من رأى» كان لي صديقا يكنى أبا صالح، و قد غيّرت كنيته على سبيل اللّقب [٢] فكني أبا الصالحات، و كان ظريفا حسن المروءة، [يضرب بالعود على مذهب الفرس ضربا حسنا] [٣]، و له رزق سنيّ في الموالى، و كان من أولادهم، و لم يكن منزله يخلو من طعام كثير نظيف [٤] لكثرة قصد إخوانه منزله. فلمّا طرق بابه قلت له: فرّجت عنّي، [هذا صديقي] [٥] و أنا طفيلي بنفسي لا أحتاج أن أكون في شفاعة طفيليّ. فدخلنا، و قدّم إلينا طعام عتيد طيّب نظيف فأكلنا، و أحضرنا النبيذ، و خرجت جاريته [٦] إلينا من غير ستارة فغنّت غناء حسنا [٧] شكلا ظريفا، ثم غنّت من صنعة محمد بن الحارث هذا الصوت و كانت قد أخذته عنه- و فيه أيضا لحن لإبراهيم، و الشعر لابن أبي عيينة-:
صوت
ضيّعت عهد فتى لعهدك حافظ
في حفظه عجب و في تضييعك
إن تقتليه و تذهبي بفؤاده
فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
/ فطرب محمد بن الحارث و نقّطها بدنانير مسيّفة [٨] كانت معه في خريطته، و وجّه غلامه [٩] فجاءه ببرنيّة غالية كبيرة [١٠] فغلّفها [١١] منها و وهب لها الباقي. و كان لمحمد بن الحارث أخ طيّب ظريف يكنى أبا هارون فطرب و نعر و نخر، و قال لأخيه: أريد أن أقول لك شيئا في السّرّ. قال: قله علانية. قال: لا يصلح. قال: و اللّه ما بيني و بينك شيء أبالي أن تقوله جهرا، فقله. فقال: أشتهي علم اللّه أن تسأل أبا [١٢] الصّالحات أن ينيكني، فعسى صوتي أن ينفتح و يطيب غنائي. فضحك أبو الصالحات و خجلت الجارية و غطّت وجهها و قالت: سخنت عينك! فإنّ حديثك يشبه [١٣] وجهك.
[١] كذا في ط، م، ف. و في سائر الأصول: «أحسن حال».
[٢] في ب، س: «اللعب» تصحيف.
[٣] التكملة من ط، م، ف.
[٤] في ف: «طريف».
[٥] زيادة عن ف.
[٦] كذا في ط، م. و في سائر الأصول: «جارية».
[٧] هذه الكلمة ساقطة في ط، م، ف.
[٨] في أكثر الأصول: «مسننة» و التصويب من ط، م، ف. يقال دينار أو درهم مسيف، إذا كانت جوانبه نقية من النقش.
[٩] كذا في ف. و في ط، م: «و وجه بغلامه». و في ح: «و رجع بغلامه». و في ب، س: «و دعا بغلامه». و في أ: «و جاء بغلامه» تحريف.
[١٠] في ف: «فجاء ببرنية كبيرة فيها غالية».
[١١] غلفها: ضمخها و طيبها.
[١٢] في ف: «أن تقول لأبي الصالحات».
[١٣] في ف: «إن حديثك هذا».