الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٠٢ - قصته مع زوجتيه القشيرية و القيسية و شعره في ذلك
كانت لأبي الأسود الدؤلي امرأة من بني قشير و امرأة من عبد القيس، فأسنّ و ضعف عما يطيقه الشباب من أمر النساء، فأما القشيرية فكانت أقدامهما عنده و أسنهما، فكانت موافقة له صابرة عليه، و هي أم عوف القشيرية التي يقول فيها:
/
أبى القلب إلا أم عوف و حبها
عجوزا و من يحبب عجوزا يفنّد
كسحق يمان قد تقادم عهده
و رقعته ما شئت في العين و اليد [١]
/ و أما الأخرى التي من عبد القيس فهي فاطمة بنت دعميّ- و كانت أشبّهما و أجملهما- فالتوت عليه لما أسنّ، و تنكرت له و ساءت عشرتها، فقال فيها أبو الأسود:
تعاتبني عرسي على أن أطيعها
قد كذبتها نفسها ما تمنّت
و ظنت بأني كلّ ما رضيت به
رضيت به، يا جهلها كيف ظنت!
و صاحبتها ما لو صحبت بمثله
على ذعرها أروية لاطمأنت [٢]
و قد غرّها مني على الشيب و البلى
جنوني بها، جنّت حيالي و حنّت
- يقال: جنّ و حنّ، و هو من الأتباع كما يقال: حسن بسن-
و لا ذنب لي قد قلت في بدء أمرنا
و لو علمت ما علّمت ما تعنّت [٣]
تشكّى إلى جاراتها و بناتها
إذا لم تجد ذنبا علينا تجنّت
أ لم تعلمي أني إذا خفت جفوة
بمنزلة أبعدت منها مطيتي
و أني إذا شقّت عليّ حليلتي
ذهلت و لم أحنن إذا هي حنّت [٤]
و فيها يقول:
أ فاطم مهلا بعض هذا التعبس
و إن كان منك الجدّ فالصّرم مؤنسي
تشتّم لي لما رأتني أحبها
كذى نعمة لم يبدها غير أبؤس
فإن تنقضي العهد الذي كان بيننا
و تلوى به في ودّك المتحلّس [٥]
فإني- فلا يغررك مني تجملي-
لأسلى البعاد بالبعاد المكنّس [٦]
و أعلم أن الأرض فيها منادح
لمن كان لم تسدد عليه بمحبس [٧]
[١] السحق: الثوب البالي.
[٢] الأروية: الأنثى من الوعول.
[٣] تعناه: عناه و أوقعه في العناء.
[٤] شق عليه: أوقعه في المشقة. ذهله و عنه: سلاه و طابت نفسه عن إلفه.
[٥] تحلس بالمكان: أقام به.
[٦] يقال: سلاه و سلا عنه، وسيله و سلى عنه.
[٧] منادح: جمع مندوحة: و هي السعة.