الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٩١ - أكرمه عبد الرحمن بن أبي بكرة و أفضل عليه فقال يمدحه
كان عليّ بن أبي طالب عليه السلام استعمل أبا/ الأسود على البصرة، و استكتب زياد بن أبيه على الديوان و الخراج، فجعل زياد يسبع [١] أبا الأسود عند عليّ و يقع فيه و يبغي عليه، فلما بلغ ذلك أبا الأسود عنه قال فيه:
رأيت زيادا ينتحيني بشرّه
و أعرض عنه و هو باد مقاتله
و كل امرئ، و اللّه بالناس عالم
له عادة قامت عليها شمائله
تعوّدها فيما مضى من شبابه
كذلك يدعو كلّ أمر أوائله
و يعجبه صفحي له و تجمّلي
و ذو الجهل يحذو [٢] الجهل من لا يعاجله
فقلت له دعني و شأني إننا
كلانا عليه معمل [٣] هو عامله
فلولا الذي قد يرتجى من رجائه
لجرّبت مني بعض ما أنت جاهله
لجرّبت أنّي أمنح الغنيّ من غوى
عليّ و أجزي ما جزى و أطاوله
/ و قال لزياد أيضا في ذلك:
نبّئت أن زيادا ظلّ يشتمني
و القول يكتب عند اللّه و العمل
و قد لقيت زيادا ثم قلت له
و قبل ذلك ما خبّت به الرسل [٤]
حتّام تسرقني في كل مجمعة
عرضي، و أنت إذا ما شئت منتفل
كل امرئ صائر يوما لشيمته
في كل منزلة يبلى بها الرجل
قال: فلما ادّعى معاوية زيادا و ولّاه العراق كان أبو الأسود يأتيه فيسأله حوائجه، فربما قضاها و ربما منعها لما يعلمه من رأيه و هواه في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و ما كان بينهما في تلك الأيام و هما عاملان، فكان أبو الأسود يترضّاه و يداريه ما استطاع و يقول في ذلك:
رايت زيادا صدّ عنّي وجهه
و لم يك مردودا عن الخير سائله
ينفّذ حاجات الرجال، و حاجتي
كداء الجوى في جوفه لا يزايله
فلا أناس ناس ما نسيت فآيس
و لا أنا راء ما رأيت ففاعله
و في اليأس حزم للّبيب و راحة
من الأمر لا ينسى و لا المرء نائله
أكرمه عبد الرحمن بن أبي بكرة و أفضل عليه فقال يمدحه
و قال المدائنيّ: نظر عبد الرحمن بن أبي بكرة [٥] إلى أبي الأسود في حال رثّة فبعث إليه بدنانير و ثياب، و سأله
[١] سبعه: شتمه و وقع فيه.
[٢] حذاه: أعطاه.
[٣] معمل: عمل.
[٤] خبت: سارت.
[٥] أبو بكرة: هو أخو زياد لأمّه.