الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٧ - تغنى إبراهيم الموصلي في شعره
قال: فأومأ إلى صاحب الستارة أن أمسك، و وضع يده على عينه كأنه يومئ إليّ أنه يبكي، قال: فأمسكت ثم انصرفنا [١]، فقال لي ابن جامع: ما صبّ أمير المؤمنين/ على ابن جعفر؟ قلت: صبه اللّه عليه لبدرة الدنانير التي أخذتها. قال ثم حضر بعد ذلك، فلما اطمأنّ بنا مجلسنا قال ابن جامع بكلام خفيّ: اللهم أنسه ذكر ابن جعفر، قال فقلت: اللهم لا تستجب، فقال صاحب الستارة: يا بن جامع تغنّ في شعر عبد اللّه بن معاوية، قال: فقال ابن جامع: لو كان عندهم في عبد اللّه بن معاوية خير لطار مع أبيه [٢] و لم يقبل على الشعر، قال إبراهيم: فسمعنا ضحكة من وراء الستارة. قال إبراهيم فاندفعت أغني في شعره:
صوت
سلا ربّة الخدر ما شأنها
و من أيّما شأننا تعجب؟
فلست بأوّل من فاته
على إربه [٣] بعض ما يطلب
و كائن تعرّض من خاطب
فزوّج غير التي يخطب
و أنكحها [٤] بعده غيره
و كانت له قبلة تحجب
و كنا حديثا صفيّين لا
نخاف الوشاة و ما سبّبوا
فإن شطّت الدار عنّا بها
فبانت و في الناس مستعتب [٥]
و أصبح صدع الذي بيننا
كصدع الزجاجة ما يشعب [٦]
و كالدّرّ [٧] ليست له رجعة
إلى الضّرع من بعد ما يحلب
غنى في البيتين الأوّلين إبراهيم الموصليّ خفيف ثقيل الأوّل بالوسطى من رواية أحمد بن يحيى المكّيّ و وجدتهما في بعض الكتب خفيف رمل غير منسوب. قال: فقال/ لي صاحب الستارة: أعد فأعدته، فأحسب أمير المؤمنين نظر إلى ابن جامع كاسف البال، فأمر له بمثل الذي أمر لي بالأمس، و جاءوني ببدرة دنانير فوضعت تحت فخذي اليسرى أيضا، و كان ابن جامع فيه حسد ما يستتر منه، فلما انصرفنا قال: اللهم أرحنا من ابن جعفر هذا، فما أشدّ بغضي له، لقد بغّض إليّ جدّه، فقلت: ويحك! تدري ما تقول! قال: فمن يدري ما يقول؟ إذا لوددت أني لم أر إقباله عليك و على غنائك في شعر هذا البغيض ابن البغيضة، و أني تصدّقت بها- يعني البدرة.
و هذا الصوت الأخير يقول شعره عبد اللّه بن معاوية في زوجته أم زيد بنت زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام.
[١] كذا في ف، و في سائر الأصول: «ثم انصرفت».
[٢] يريد جدّه جعفر بن أبي طالب و كان يلقب بالطيار و بذي الجناحين لأنه قاتل يوم موته حتى قطعت يداه فقتل. فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: إن اللّه قد أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء.
[٣] الإرب: العقل و الدهاء.
[٤] أنكحها: زوّجها.
[٥] شطت: بعدت. مستعتب. استرضاء.
[٦] يشعب: يصلح.
[٧] الدر هنا: اللبن.