الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٧ - عود إلى قصة يوم البشر
و كان فيمن أتاهم من العراق من بكر بن وائل عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان، و رهصة بن النعمان بن سويد بن خالد من بني أسعد [١] بن همّام، فلذلك تحامل المصعب بن الزبير على أبان بن زياد أخي عبيد اللّه بن زياد فقتله. و في هذا السبب كانت فرقة عبيد اللّه لمصعب، و جمعت تغلب فأكثرت فلما أتى عميرا كثرة من أتى من بني تغلب و أبطأ عنه أصحابه قال يستبطئهم:
أناديهم و قد خذلت كلاب
و حولي من ربيعة كالجبال
أقاتلهم بحيّ بني سليم
و يعصر كالمصاعيب النّهال [٢]
فدى لفوارس الثرثار قومي
و ما جمّعت من أهلي و مالي
فإمّا أمس قد حانت وفاتي
فقد فارقت أعصر غير قال
/ أبعد فوارس الثرثار أرجو
ثراء المال أو عدد الرجال!
ثم زحف العسكران، فأتت قيس و تغلب الثرثار، بين رأس الأثيل و الكحيل، فشاهدوا القتال يوم الخميس.
و كان شعيب بن مليل و ثعلبة بن نياط التغلبيان قدما في ألفي فارس في الحديد، فعبروا على قرية يقال لها لبّى [٣] على شاطئ دجلة بين تكريت و بين الموصل، ثم توجهوا إلى الثرثار، فنظر شعيب إلى دواخن [٤] قيس، فقال لثعلبة بن نياط: سر بنا إليهم، فقال له: الرأي أن نسير إلى جماعة قومنا فيكون مقاتلنا واحدا، فقال شعيب: و اللّه لا تحدّث تغلب أني نظرت إلى دواخنهم ثم انصرفت عنهم، فأرسل ناسا من أصحابه قدّامه و عمير يقاتل/ بني تغلب. و ذلك يوم الخميس، و على تغلب حنظلة بن هوبر، أحد بني كنانة بن تميم، فجاء رجل من أصحاب عمير إليه فأخبره أن طلائع شعيب قد أتته، و أنه قد عدل إليه، فقال عمير لأصحابه: أكفوني قتال ابن هوبر، و مضى هو في جماعة من أصحابه، فأخذ الذين قدمهم شعيب، فقتلهم كلّهم غير رجل من بني كعب بن زهير يقال له: قتب بن عبيد، فقال عمير: يا قتب، أخبرني ما وراءك؟ قال؛ قد أتاك شعيب بن مليل في أصحابه. و فارق ثعلبة بن نياط شعيبا، فمضى إلى حنظلة بن هوبر، فقاتل معه القيسيّة، فقتل، فالتقى عمير و شعيب فاقتتلوا قتالا شديدا، فما صلّيت العصر حتى قتل شعيب و أصحابه أجمعون، و قطعت رجل شعيب يومئذ، فجعل يقاتل القوم و هو يقول:
قد علمت قيس و نحن نعلم
أن الفتى يفتك و هو أجذم [٥]
فلما قتل شعيب نزل أصحابه، فعقروا دوابّهم، ثم قاتلوا حتى قتلوا، فلما رآه عمير قتيلا قال: من سرّه أن ينظر إلى الأسد عقيرا فها هو ذا. و جعلت تغلب يومئذ ترتجز و تقاتل و هي تقول:
[١] في ب، س «أسد»، و ما أثبتناه عن باقي الأصول.
[٢] يعصر أو أعصر: قبيلة من قيس عيلان. و جمال مصاعب و مصاعيب: جمع مصعب (كمكرم): و هو الفحل الذي يترك من الركوب و العمل للفحلة، و نهل البعير كفرح: شرب حتى روي، و عطش: ضدّ، فهو ناهل و جمعه نهال، كنائم و نيام، و نهلان جمع نهال أيضا كعطشان و عطاش.
[٣] كذا في ف؛ و هو الصحيح، و في سائر النسخ: «أبا» تحريف.
[٤] الدواخن: جمع داخنة، و هي المدخنة.
[٥] أجذم: أقطع.