الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٣ - أغراه الأخطل بشعره بأخذ الثار من تغلب ففعل وفر إلى الروم
أجحاف إن نهبط عليك فتلتقي
عليك بحور طاميات الزواخر
تكن مثل أبداء [١] الحباب الذي جرى
به البحر تزهاه [٢] رياح الصراصر
/ فوثب الجحاف يجرّ مطرفه و ما يعلم من الغضب، فقال عبد الملك الأخطل: ما أحسبك إلا و قد كسبت قومك شرا. فافتعل الحجاف عهدا من عبد الملك على صدقات بكر و تغلب، و صحبه من قومه نحو من ألف فارس، فثار بهم حتى بلغ الرّصافة- قال: و بينها و بين شط الفرات ليلة، و هي في قبلة الفرات- ثم كشف لهم أمره، و أنشدهم شعر الأخطل، و قال لهم: إنما هي النار أو العار، فمن صبر فليقدم و من كره فليرجع، قالوا: ما بأنفسنا عن نفسك رغبة، فأخبرهم بما يريد، فقالوا: نحن معك فيما كنت فيه من خير و شرّ، فارتحلوا فطرقوا صهين [٣] بعد رؤبة [٤] من الليل- و هي في قبلة الرصافة و بينهما ميل- ثم صبّحوا عاجنة الرّحوب في قبلة صهين و البشر- و هو واد لبني تغلب- فأغاروا على بني تغلب ليلا فقتلوهم، و بقروا من النساء من كانت حاملا، و من كانت غير حامل قتلوها. فقال عمر بن شبّة في خبره: سمعت أبي يقول: صعد الجحاف الجبل- فهو يوم البشر، و يقال له أيضا يوم عاجنة الرّحوب، يوم مخاشن، و هو جبل إلى جنب البشر، و هو مرج السّلوطح لأنه بالرحوب- و قتل في تلك الليلة ابنا للأخطل يقال له أبو غياث، ففي ذلك يقول جرير له:
شربت الخمر بعد ابي غياث
فلا نعمت لك السّوءات [٥] بالا
قال عمر بن شبّة في خبره خاصّة:
و وقع الأخطل في أيديهم، و عليه عباءة دنسة، فسألوه/ فذكر أنّه عبد من عبيدهم، فأطلقوه، فقال ابن صفّار في ذلك:
لم تنج إلا بالتعبّد نفسه
لمّا تيقن أنهم قوم عدا
و تشابهت برق [٦] العباء عليهم
فنجا و لو عرفوا عباءته هوى
/ و جعل ينادي: من كانت حاملا فإليّ، فصعدن إليه، فجعل يبقر بطونهنّ. ثم إن الجحاف هرب بعد فعله، و فرّق عنه أصحابه و لحق بالروم، فلحق الجحاف عبيدة بن همام التغلبيّ دون الدّرب، فكرّ عليه الجحاف فهزمه، و هزم أصحابه و قتلهم، و مكث زمنا في الروم، و قال في ذلك:
فإن تطردوني تطردوني و قد مضى
من الورد يوم في دماء الأراقم [٧]
[١] كذا في الأصول، و في «الديوان»: «أقذاء الحباب».
[٢] زهت الريح الشجر تزهاه: هزته و حركته. و في ف: «ترفيه».
[٣] هكذا ضبط في ط.
[٤] رؤبة: قطعة، و أصلها القطعة تسد بها ثملة الإناء.
[٥] كذا في ط؛ و في ج؛ ب، س: «النشوات».
[٦] الأبرق: كل شيء اجتمع فيه سواد و بياض، و هي برقاء و الجمع برق.
[٧] الأراقم: حيّ من تغلب و هم جشم، أو هم بنو بكر و جشم و مالك و الحارث و معاوية، سموا كذلك تشبيها لعيونهم بعيون الأراقم من الحيات.