الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٩ - شدد والي مكة في الغناء، فخرج فتية إلى وادي محسر و بعثوا لابن سريج فغناهم
نفسك فنعم! فقد نحس يومك معهم، و قد بقيت أنا عليك. فما عذرك- و لا عذر لك- في قولك:
/
سقى دمنتين لم نجد لهما أهلا
بحقل لكم يا عزّ قد رابنا حقلا
نجاء الثّريّا كلّ آخر ليلة
يجودهما جودا و يتبعه وبلا
[ثم قلت [١] في آخرها]
و ما حسبت ضمريّة حدريّة
سوى التّيس ذي القرنين أنّ لها بعلا
/ أ هكذا يقول الناس ويحك! ثم تظنّ أنّ ذلك قد خفي و لم يعلم به أحد، فتسبّ الرجال و تعيبهم! فقال: و ما أنت و هذا؟ و ما علمك بمعنى ما أردت؟ فقلت:
هذا أعجب من ذاك. أتذكر امرأة تنسب بها في شعرك و تستغزر لها الغيث في أوّل شعرك، و تحمل عليها التّيس في آخره! قال: فأطرق و ذلّ و سكن. فعدت إلى أصحابي فأعلمتهم ما كان من خبره بعدهم. فقالوا: ما أنت بأهون حجارته التي رمي بها اليوم منّا. قال فقلت لهم: إنّه لم يترني فأطلبه بذحل، و لكنّي نصحته لئلّا يخلّ هذا الإخلال الشديد، و يركب هذه [٢] العروض التي ركب في الطّعن على الأحرار و العيب لهم.
شدد والي مكة في الغناء، فخرج فتية إلى وادي محسر و بعثوا لابن سريج فغناهم
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و إسماعيل بن يونس قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال حدّثني ابن جامع عن السّعيديّ عن سهل بن بركة و كان يحمل عود ابن سريج قال:
كان على مكّة نافع بن علقمة الكنانيّ، فشدّد في الغناء و المغنّين و النبيذ، و نادى في المخنّثين. فخرج فتية من قريش إلى بطن [٣] محسّر و بعثوا برسول لهم فأتاهم برواية من الشراب الطائفيّ. فلمّا شربوا و طربوا قالوا: لو كان معنا ابن سريج تمّ سرورنا. فقلت: هو عليّ لكم. فقال لي بعضهم: دونك تلك البغلة فاركبها و امض إليه. فأتيته فأخبرته بمكان القوم و طلبهم إيّاه. فقال لي: ويحك! و كيف لي بذاك مع شدّة السلطان في الغناء و ندائه فيه؟ فقلت له: أ فتردّهم؟ قال: لا و اللّه! فكيف لي بالعود؟ فقلت له: أنا أخبؤه لك فشأنك. فركب و سترت العود/ و أردفني.
فلمّا كنّا ببعض الطريق إذا أنا بنافع بن علقمة قد أقبل، فقال لي: يا بن بركة هذا الأمير! فقلت: لا بأس عليك، أرسل عنان البغلة و امض و لا تخف، ففعل. فلمّا حاذيناه عرفني و لم يعرف ابن سريج، فقال لي بابن بركة: من هذا أمامك؟ فقلت: و من ينبغي أن يكون! هذا ابن سريج. فتبسّم [ابن] علقمة ثم تمثّل:
فإن تنج منها يا أبان مسلّما
فقد أفلت الحجّاج خيل شبيب
ثم مضى و مضينا. فلمّا كنّا قريبا من القوم نزلنا إلى شجرة نستريح، فقلت له: غنّ مرتجلا؛ فرفع صوته فخيّل إليّ أنّ الشجرة تنطق معه، فغنّى:
[١] زيادة في ف.
[٢] كذا في ط. و في أكثر الأصول: «هذا العروض الذي ركب». و العروض (بالفتح): الطريق في عرض الجبل.
[٣] بطن محسر: وادي المزدلفة بالقرب من مكة.