الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٠ - قصته مع محمد بن يزيد الأموي
/ لمّا قال عبد اللّه بن طاهر قصيدته التي يفخر فيها بمآثر أبيه و أهله و يفخر بقتلهم المخلوع، عارضه محمد بن يزيد الأموي الحصني، و كان رجلا من ولد مسلمة بن عبد الملك، فأفرط في السّبّ و تجاوز الحدّ في قبح الردّ، و توسّط بين القوم و بين بني هاشم فأربى في التوسّط و التعصّب. فكان مما [١] قال فيه:
يا ابن بيت النّار موقدها
ما لحاذيه سراويل [٢]
من حسين من أبوك و من
مصعب! غالتكم غول
نسب في الفخر مؤتشب [٣]
و أبوّات أراذيل
قاتل المخلوع مقتول
و دم المقتول مطلول
و هي قصيدة طويلة. فلمّا ولّي عبد اللّه مصر و ردّ إليه تدبير أمر الشام، علم الحصنيّ أنّه لا يفلت منه إن هرب، و لا ينجو من يده حيث حلّ؛ فثبت في موضعه، و أحرز حرمه، و ترك أمواله و دوابّه و كلّ ما كان يملكه في موضعه، و فتح باب حصنه و جلس عليه، و نحن نتوقّع من عبد اللّه بن طاهر أن يوقع به. فلما شارفنا بلده و كنّا على أنّ نصبّحه [٤]، دعاني عبد اللّه في الليل فقال لي: بت عندي الليلة، و ليكن فرسك معدّا عندك لا يردّ، ففعلت. فلمّا كان في السّحر أمر غلمانه و أصحابه ألّا يرحلوا حتى تطلع الشمس، و ركب في السّحر و أنا و خمسة من خواصّ غلمانه [معه] [٥]، فسار حتّى صبّح الحصنيّ، فرأى بابه مفتوحا و رآه جالسا مسترسلا، فقصده و سلّم عليه و نزل عنده و قال له: ما أجلسك هاهنا و حملك على أن فتحت بابك و لم تتحصّن من هذا الجيش المقبل و لم تتنحّ عن عبد اللّه بن طاهر مع ما في نفسه عليك و ما بلغه عنك؟ فقال: إنّ/ ما قلت لم يذهب عليّ، و لكنّي تأمّلت أمري و علمت أنّي أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشّباب و غرّة الحداثة، و أنّي إن هربت منه لم أفته، فباعدت البنات و الحرم، و استسلمت بنفسي و كلّ ما أملك؛ فإنّا أهل بيت قد أسرع القتل فينا، و لي بمن مضى أسوة؛ فإنّي أثق بأنّ الرجل إذا قتلني و أخذ مالي شفى غيظه و لم يتجاوز ذلك إلى الحرم و لا له فيهنّ أرب، و لا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته.
قال: فو اللّه ما اتّقاه عبد اللّه إلّا بدموعه تجري على لحيته. ثم قال له: أ تعرفني؟ قال: لا و اللّه! قال: أنا عبد اللّه بن طاهر، و قد أمّن اللّه تعالى روعتك، و حقن دمك، و صان حرمك، و حرس نعمتك، و عفا عن ذنبك. و ما تعجّلت إليك وحدي إلّا/ لتأمن من قبل هجوم الجيش، و لئلّا يخالط عفوي عنك روعة تلحقك. فبكى الحصنيّ و قام فقبّل رأسه؛ و ضمّه [إليه] [٦] عبد اللّه و أدناه، ثم قال له: إمّا [لا] [٧] فلا بدّ من عتاب. يا أخي جعلني اللّه فداك! قلت شعرا
[١] كذا في ف. و في سائر الأصول: «فيما قال فيه».
[٢] الحاذان من الدابة: ما وقع عليه الذنب من أدبار الفخذين. يريد هنا الفخذين.
[٣] نسب مؤتشب (بفتح الشين): غير صريح.
[٤] صبحه (بتشديد الباء): أتاه صباحا.
[٥] زيادة في ف.
[٦] زيادة عن ط، ف.
[٧] التكملة عن ط. يزيد: إن كنت لا أؤاخذك بما وقع منك، فلا بدّ من عتاب. فحذفت «كان» و اسمها و خبرها، و بقيت «لا» النافية، و عوض عن المحذوف «ما». و هذا أسلوب في العربية معروف. قال الشاعر:
أمرعت الأرض لو أن مالا
لو أن نوقا لك أو جمالا
أو ثلة من غنم إمالا
التقدير: إن كنت لا تجدين غيرها (يراجع شرح الأشموني و غيره من كتب النحو في باب كان و أخواتها).