الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٤ - خرجت أخته لتثأر له فزجرها يزيد بن مزيد
كان الوليد بن طريف الشّيبانيّ رأس الخوارج و أشدّهم بأسا و صولة و أشجعهم؛ فكان من بالشّمّاسيّة [١] لا يأمن طروقه [إياه] [٢]، و اشتدّت شوكته و طالت أيّامه. فوجّه إليه/ الرشيد يزيد بن مزيد الشّيبانيّ، فجعل يخاتله و يماكره. و كانت البرامكة منحرفة عن يزيد بن مزيد، فأغروا به أمير المؤمنين، و قالوا: إنما يتجافى عنه للرّحم، و إلّا فشوكة الوليد يسيرة، و هو يواعده و ينتظر ما يكون من أمره. فوجّه إليه الرشيد كتاب مغضب يقول فيه: «لو وجّهت بأحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به، و لكنّك مداهن متعصّب. و أمير المؤمنين يقسم باللّه لئن أخّرت مناجزة الوليد ليوجّهنّ إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين». فلقي الوليد عشيّة خميس في شهر رمضان. فيقال: إنّ يزيد جهد عطشا حتى رمى بخاتمه في فيه، فجعل يلوكه و يقول: اللّهمّ إنّها [٣] شدّة شديدة فاسترها. و قال لأصحابه: فداكم أبي و أمّي، إنما هي الخوارج و لهم حملة، فاثبتوا لهم تحت التّراس [٤]، فإذا انقضت حملتهم فاحملوا؛ فإنّهم إذا انهزموا لم يرجعوا. فكان كما قال، حملوا حملة و ثبت يزيد و من معه من عشيرته و أصحابه، ثم حمل عليهم فانكشفوا. و يقال: إنّ أسد بن يزيد كان شبيها بأبيه جدّا؛ و كان لا يفصل بينهما إلّا المتأمّل، و كان أكثر ما يباعده منه ضربة في وجه يزيد تأخذ من قصاص شعره [٥] و منحرفة على جبهته؛ فكان أسد يتمنّى مثلها. فهوت له ضربة فأخرج وجهه من التّرس فأصابته في ذلك الموضع. فيقال: إنّه لو خطّت على مثال ضربة أبيه ما عدا [٦]، جاءت كأنّها هي. و اتبع يزيد الوليد بن طريف فلحقه بعد مسافة بعيدة فأخذ رأسه. و كان الوليد خرج إليهم حيث خرج و هو يقول:
أنا الوليد بن طريف الشّاري
قسورة لا يصطلى بناري
جوركم أخرجني من داري
خرجت أخته لتثأر له فزجرها يزيد بن مزيد
فلمّا وقع فيهم السّيف و أخذ رأس الوليد، صبّحتهم [٧] أخته ليلى بنت طريف مستعدّة عليها الدّرع و الجوشن، فجعلت تحمل على الناس فعرفت. فقال يزيد: دعوها، ثم خرج إليها فضرب بالرّمح قطاة [٨] فرسها، ثم قال اغربي غرّب اللّه عليك [٩]! فقد فضحت العشيرة؛ فاستحيت و انصرفت و هي تقول:
/
أيا شجر الخابور مالك مورقا
كأنّك لم تحزن على ابن طريف
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقى
و لا المال إلّا من قنا و سيوف
[١] الشماسية: محلّة كانت قريبة من بغداد.
[٢] زيادة في ف.
[٣] في ف: «ليلة شديدة».
[٤] التراس: جمع ترس (بالضم)، و هو صفحة من الفولاذ مستديرة تحمل للوقاية من السيف و نحوه.
[٥] في ط، ف: «شعره منحرفة» بدون الواو.
[٦] ما عدا، أي ما جاوز خط ضربته مثال ضربة أبيه. و قوله. «جاءت كأنها هي» بيان لقوله: «ما عدا».
[٧] في ح و «معاهد التنصيص»: «صحبتهم».
[٨] قطاة الفرس: عجزها أو مقعد الرديف منها.
[٩] كذا في ط و «معاهد التنصيص». و في ب، س: «غرب اللّه عينيك». و في «الكامل»: «اعزبي عزب اللّه عليك» بالزاي.