الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٠ - كان هو و الكميت في مسجد الكوفة فقصدهما ذو الرمة فاستنشدهما و أنشدهما
كان هو و الكميت في مسجد الكوفة فقصدهما ذو الرمة فاستنشدهما و أنشدهما
و نسخت من كتابه رضي اللّه عنه: أخبرني الحسن بن سعيد قال أخبرني ابن علّاق قال أخبرني شيخ لنا أنّ خالد بن كلثوم أخبره قال:
بينا أنا في مسجد الكوفة أريد الطّرمّاح و الكميت و هما جالسان بقرب باب [١] الفيل، إذ رأيت أعرابيا قد جاء يسحب أهداما [٢] له، حتى إذا توسّط المسجد خرّ ساجدا، ثم رمى ببصره فرأى الكميت و الطّرمّاح فقصدهما.
فقلت: من هذا الحائن [٣] الذي وقع بين هذين الأسدين! و عجبت من سجدته في غير موضع سجود و غير وقت صلاة. فقصدته، ثم سلّمت عليهم ثم جلست أمامهم. فالتفت إلي الكميت فقال: أسمعني شيئا يا أبا المستهلّ؛ فأنشده قوله:
أبت هذه النّفس إلّا ادّكارا
/ حتى أتى على آخرها. فقال له: أحسنت و اللّه يا أبا المستهلّ في ترقيص هذه القوافي و نظم عقدها [٤]! ثم التفت إلى الطّرمّاح فقال: أسمعني شيئا يا أبا ضبينة؛ فأنشده كلمته التي يقول فيها:
أساءك تقويض [٥] الخليط المباين
نعم و النّوى قطّاعة للقرائن
فقال: للّه درّ هذا الكلام! ما أحسن إجابته لرويّتك! إن كدت [٦] لأطيل لك حسدا. ثم قال الأعرابيّ: و اللّه لقد قلت بعدكما ثلاثة أشعار، أمّا أحدها فكدت أطير به في السماء فرحا. و أمّا الثاني فكدت أدّعي به الخلافة. و أمّا الثالث فرأيت [٧] رقصانا استفزّني به الجذل حتّى أتيت عليه. قالوا: فهات؛ فأنشدهم [قوله] [٨]:
أ أن توهّمت من خرقاء منزلة
ماء الصّبابة من عينيك مسجوم [٩]
حتّى إذا بلغ قوله:
تنجو إذ جعلت تدمى أخشّتها
و ابتلّ بالزّبد الجعد الخراطيم [١٠]
[١] باب الفيل: موضع بالكوفة. سمى بذلك لأن زياد بن أبيه لما تزوّج أم أيوب بنت عمارة بن عقبة بن أبي معيط و هي حدثة كان يأمر بفيل كان عنده فيوقف، فتنظر إليه أم أيوب. (الطبري ق ٢ ص ٢٧).
[٢] الأهدام: جمع هدم (بالكسر) و هو الثوب البالي المرقع.
[٣] الحائن: الهالك، و كل ما لم يوفق للرشاد فهو حائن.
[٤] كذا في ط. و في سائر الأصول: «و تعلم عقدها» تحريف.
[٥] التقويض هنا: نزع القوم أعواد خيامهم و أطنابها. و الخليط هنا: القوم الذين أمرهم واحد. و ذلك أن العرب كانوا ينتجعون أيام الكلأ، فتجتمع منهم قبائل شتى في مكان واحد، فتقع ألفة، فإذا قوضوا خيامهم و افترقوا و رجعوا إلى أوطانهم ساءهم ذلك.
[٦] كذا في ط. و في سائر الأصول: «إن كنت» تحريف.
[٧] في ط: «فلقد رأيت».
[٨] زيادة في ط، م.
[٩] في «ديوان ذي الرمة»: «أعن ترسمت» بإبدال الهمزة عينا. و ترسمت الدار: نظرت رسومها. و الصبابة: رقة الشوق. و مسجوم:
مصبوب.
[١٠] تنجو: تسرع. و الأخشة: جمع خشاش و هو الحلقة التي توضع في أنف البعير ليجذب بها. و الجعد بها. و الجعد من الزبد: الثخين الغليظ، فإن كان رقيقا فهو هيّيان (بتشديد الياء مكسورة).