أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٥١
و المخالف لنا في المسألة يستدلّ بهذه الآية على أنّها الصّلاة المؤدّاة يجب تأديتها و إقامتها بعد الدّلوك، فمن أين له ذلك؟ و لم لا يكون الفائتة، لأنّ مكلّفها مأمور بها بعد الدّلوك مثل ما هو مأمور بإقامتها قبل الدّلوك، و ليس هو بتخصيصها أولى منّا، فإذا فقدتا جميعا الدّليل على التّخصيص فأقمنا في آيته مقامه و بطل احتجاجه و تمسّكه بظاهرها، فقد صار على هذا قابضا على الماء متمسّكا ببيت العنكبوت، بل قد سلمت آيتنا و صارت قاضية لنا عليه، و شاهدة لصحّة قولنا بالمضايقة، و اختصاص الفائت بالأوقات أجمع حين الذّكر له، سوى آخر وقت الحاضرة الّتي يخاف من الاشتغال بالفائت خروج وقتها، و هذا بيّن بحمد اللّه للمنصف الخالي من العصبيّة، التارك لها جانبا، نعوذ باللّه منها، فإنّها المردية للأديان في سائر الأزمان.
فإن قيل: الاتفاق حاصل على أنّ ما تعيّن زمانه من العبادات الشرعية لا يحتاج إلى نيّة التعيين فيه، بل نيّة القربة كافية مجزية لصوم رمضان، فالذّاهب إلى المضايقة يقول قد تعيّن آخر الوقت للأداء، و لا يصحّ أن يقع فيه صلاة سوى المؤدّاة، لأنّ الوقت قد تعيّن لها، فيلزم على الاستدلال أن لا يلزمه نيّة التعيين، و هذا لا يقوله أحد من الطائفة، و لا يتجاسر على ارتكابه و إلزامه أحد منهم، فإذا لم يلتزم ما ألزم به و قال بالمضايقة خرج من الإجماع المتّفق عليه من أنّ الزمان إذا تعيّن للعبادة فلا يحتاج إلى نيّة التعيين على ما مضى في الالتزام؟
الجواب عن هذه الشبهة المحيلة أن يقال: قد أبعدت المرمى و ما أفضيت