أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٤٦٤
فأمّا قبل بلوغه فلا خلاف أنّ النجاسة الواقعة فيه غير مستهلكة، لأنّها واقعة في شيء غير مستهلك لها و هو الكثرة التي هي الكرّية، فإذا حصل المستهلك لها و هو بلوغ الماء كرا، كانت هي مستهلكة، ثمّ إنّ الأمّة بأسرها بين ثلاثة أقوال:
قائل منهم يقول: إنّ الماء الراكد أو الواقف أو الدائم على اختلاف الألفاظ و العبارات بين الفقهاء لا ينجّسه شيء من النجاسات سواء كان قليلا أو كثيرا إلّا ما غيّر أحد أوصافه، و هو مالك و من وافقه.
و قائل قال: هذا الماء ينجس بما يقع فيه من النجاسة سواء كان قليلا أو كثيرا تغيّر بها أحد أوصافه أو لم يتغيّر، و هو أبو حنيفة و من ذهب مذهبه.
و قائل قال: إذا بلغ هذا الماء المشار إليه حدّا و وقعت فيه نجاسة و لم يتغيّر أحد أوصافه لا ينجس بل هو باق على طهارته، فإن نقص عن ذلك الحدّ فإنّه ينجس بحصول النجاسة فيه، و لم يعتبر هذا القائل حصولها فيه قبل بلوغه الحدّ الّذي يراعيه ثمّ بلوغه الحدّ بعد ذلك، أو بعد بلوغه الحدّ ثمّ وقوعها فيه، بل المراعى عنده بلوغه الحدّ، و لا فرق عنده بين وقوعها فيه قبل البلوغ أو بعده في أنّه إذا بلغ بعد ذلك فإنّه يطهر بالبلوغ كيف ما دارت القصة.
فمن قال انّه إذا كان في موضعين ثمّ وقعت في كلّ واحد منهما النجاسة، ثمّ جمعا و خلطا حتى بلغا الحدّ المراعى لم يزل التنجيس ببلوغه الحدّ المراعى، بل إذا كان مجتمعا في موضع واحد و هو طاهر و قد بلغ الحدّ فذلك الّذي لا تنجّسه