نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٩٥٦
فتنشىء أحيانا صورا حقّة صالحة ٣٥، و أحيانا صورا جزافيّة تعبث بها.
و ثالثها: عالم التجرّد عن المادّة و آثارها، يسمّى عالم العقل.
و العوالم الثلاثة مترتّبة طولا ٣٦؛ فأعلاها مرتبة، و أقواها، و أقدمها وجودا، و أقربها من المبدء الأوّل ٣٧، تعالى و تقدّس، عالم العقول المجرّدة؛ لتمام فعليّتها، و تنزّه
- لا يخفى عليك: أنّ تصرّف النفس لا يكون إلّا بإنشاء صور جديدة. و ما هو المشهور من أنّ النفس تجزّىء الصور و تفصّلها أو تركّبها و تأتي بصور مخترعة، فهو مسامحة في التعبير؛ لأنّ الصور العلميّة مجرّدة غير قابلة للتغيّر، و حقيقة التجزئه و التفصيل فيها إنشاء صور الأجزاء مع بقاء صورة المركّب على حالها، كما أنّ حقيقة التركيب فيها أيضا إنشاء صورة المركّب مع بقاء صور الأجزاء على حالها.
٣٥- قوله قدّس سرّه: «فتنشىء أحيانا صورا حقّة صالحة»
قد يتوهّم التنافي بين تصريحه هذا بكون النفس منشئة للصور الذهنيّة موجدة لها، و بين ما سيأتي من أنّ مفيض الصور و موجدها هي المجرّدات العالية المثاليّة أو العقليّة.
و الحلّ أنّ النفس في بدء أمرها تستفيض من مجرّدات مثاليّة أو عقليّة، فتكتسب بذلك ثروة علميّة، ثمّ بعد ذلك تستعدّلأن تنشىء صورا مناسبة لما استفاضتها. فالمهندس بعد ما استفاد صورا كثيرة يستعدّ لأنّ ينشىء صورا مشابهة لها، و هي صور حقّه صالحة، كما أنّ كلّ إنسان بعد ما استفاض صورا مختلفة مثاليّة يستعدّ لأن ينشىء صورا جزافيّة من عند نفسه.
٣٦- قوله قدّس سرّه: «العوالم الثلاثة مترتّبة طولا»طباطبايى، محمد حسين، نهاية الحكمة (فياضى)، ٤جلد، مركز انتشارات موسسه آموزشي و پژوهشي امام خميني (ره) - قم، چاپ: چهارم، ١٣٨٦.
نهاية الحكمة ( فياضى ) ؛ ج٤ ؛ ص٩٥٦
و هو على مبنى المشّائين ترتّب علّيّ، حيث إنّهم يرون بعض الأشياء صادرا عن اللّه تعالى بلا واسطة، و بعضها بواسطة أو وسائط.
و أمّا على ما ذهب إليه صدر المتألّهين قدّس سرّه و اختاره المصنّف قدّس سرّه- كما مرّ في الفصل الثامن من المرحلة الثامنة، و سيأتي في الفصل الرابع عشر من المرحلة الثانية عشرة- من كونه تعالى فاعلا قريبا لجميع ما سواه، فهو ترتّب إعداديّ، لا علّيّ.
٣٧- قوله قدّس سرّه: «فأعلاها مرتبة و أقواها و أقدمها وجودا و أقربها من المبدء الأوّل»
لا يخفى عليك: أنّ الأقوائيّة علّة للأوصاف الثلاثة المذكورة غيرها؛ و لذا خصّها بالتعليل، فإنّ-