نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١١١٥
و الحقّ هو القول الأوّل و ذلك لما تحقّق أنّ الواجب بالذات علّة تامّة ٦، ينتهي إليه كلّ موجود ممكن، بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط، بمعنى أنّ الحقيقة الواجبيّة هي العلّة بعينها. و تحقّق أيضا أنّ كلّ كمال وجوديّ في المعلول، فعلّته في مقام علّيّته واجدة له بنحو أعلى و أشرف. فللواجب بالذات كلّ كمال وجوديّ مفروض ٧. على
٦- قوله قدّس سرّه: «تحقّق أنّ الواجب بالذات علّة تامّة»
فهي علّة تامّة للصادر الأوّل بلا واسطة؛ فإنّ العلّة إنّما تكون ناقصة إذا لم تكن واجدة لجميع ما يتوقّف عليه وجود المعلول، و بعد ما ثبتت وحدة الواجب، لا يمكن أن يفرض هناك شيء غير الواجب يكون الصادر الأوّل متوقّفا عليه، و إلّا لم يكن ما فرض صادرا أوّلا صادرا أوّلا.
و إذا كان الواجب علّة تامّة للصادر الأوّل، كان علّة تامّة لسائر الممكنات، و لكن مع الواسطة؛ إذ العلّة إنّما تكون ناقصة إذا توقّف المعلول على شيء آخر غيرها أيضا، بحيث يكون المجموع علّة تامّة واحدة لوجود المعلول. فلو كان مجموع الواجب و أمر آخر علّة لشيء، كان الواجب علّة ناقصة قريبة له، و علّة تامّة قريبة للصّادر الأوّل، فكان الواجب علّة قريبة لأمرين، و تبطله قاعدة الواحد.
ثم لا يخفى عليك أوّلا: أنّ البرهان لا يبتني على كون الواجب تعالى علّة تامّة، بل الأساس في البرهان هو كونه تعالى فاعلا؛ إذ الفاعل هو الّذي لا بدّ أن يشتمل على كمال المعلول بنحو أعلى و أشرف.
و ثانيا: أن هذا البيان مبتن على رأي المشّائين، حيث يرون المعلول وجودا مستقلّا، و أمّا على ما ثبت في الحكمة المتعالية فهو تعالى علّة تامّة للصادر الأوّل، و علّة ناقصة لما سواه؛ إذ جميع ما سواه وجودات رابطة، فلا يصلح شيء منها لأن يكون فاعلا، و إنّما هي معدّات و شروط، و الفاعل القريب للجميع هو اللّه تعالى، يوجد الصادر الأوّل من دون أن يحتاج وجودها إلى شرط و معدّ، و يوجد ما عداه بشرط وجود ما تقدّم عليه من المراتب، فكلّ سابق مجرى لوصول الفيض إلى اللاحق. و قد تقدّم بعض ما يتعلّق بهذا المقام في الفصل الثامن من المرحلة الثامنة، و سيأتي أيضا في الفصل الرابع عشر ما يناسبه.
٧- قوله قدّس سرّه: «كلّ كمال وجوديّ مفروض»
إذ كلّ كمال وجوديّ مفروض غيره تعالى معلول له؛ لأنّه ممكن، و الممكن معلول للواجب، مباشرة أو مع الواسطة.