نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٢٠٤
و بهذا تبيّن أنّ عالم التجرّد التامّ لا شرّ فيه؛ إذ لا سبيل للعدم إلى ذواتها الثابتة بإثبات مبدئها ٢٥، و لا سبيل لعروض الأعدام المنافية لكمالاتها التي تقتضيها و هي موجودة لها في بدء وجودها ٢٦.
فمجال الشرّ و مداره هو عالم المادّة، التي تتنازع فيه الأضداد، و تتمانع فيه مختلف الأسباب، و تجري فيه الحركات الجوهريّة و العرضيّة، التي يلازمها التغيّر من ذات
- و لكنّ الحقّ أنّ العدم المضاف- و منه عدم الملكة- إنّما ينتزع من نفس العدم، و ينسب إلى الوجود لمقارنة الوجود للعدم المنتزع عنه.
قوله قدّس سرّه: «فإنّ هذا النوع من الأعدام منتزع من مرتبة الوجود وحدّه»
و لا يمكن للوجود أن يتعدّى حدّ وجوده، فليس له قابليّة لكمال أكثر حتّى يكون فقدانه شرّا، فالوجود المثاليّ لا يمكنه أن يتعدّى حدّ وجوده و يصير وجودا عقليّا. و العقل الثاني لا يمكنه أن يصير عقلا أوّلا، و هكذا.
و بعبارة اخرى: لا يكون في هذه الصور ما فرض من الكمال كمالا لهذا الوجود حتّى يكون فقدانه شرّا له.
و إن شئت فقل: إنّ الشرّ عدم ملكة الخير، فكلّما لم يكن للموضوع قابليّة لخير، لم يكن فقدانه لذلك الخير شرّا له.
٢٥- قوله قدّس سرّه: «الثابتة بإثبات مبدئها»
وصف مشعر بالعلّيّة، فهو تلويح إلى برهان المسألة، و هو أنّ المجرّد مكتف بالفاعل لا يحتاج إلى شيء آخر، فالفاعل علّة تامّة له، و هو هنا الواجب بالذات أو مجرّد آخر واجب وجوده بوجود الواجب، فلا سبيل للعدم إليه.
٢٦- قوله قدّس سرّه: «و هي موجودة لها في بدء وجودها»
الواو للحال، و الجملة في محلّ التعليل لسابقتها؛ فإنّ الوجه في عدم إمكان عروض العدم لكمالات المجرّدات الثانية هو أنّ كمالاتها تلك توجد ككمالها الأوّل بمجرّد علّتها الفاعليّة، لا تحتاج إلى قوّة و استعداد و معدّ و عدم عروض مانع. و إذا كان الفاعل علّة تامّة و وجود المعلول واجب عند وجود العلّة التامّة، فلا سبيل لعروض العدم لكمالاتها الثانية، حيث لا سبيل للعدم إلى الفاعل الواجب الذي هو علّة تامّة.