نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١١٩١
على ما علم، من غير إهمال في شيء ممّا علم من خصوصيّاته، و الكلّ معلوم. فله تعالى عناية بخلقه.
و المشهود من النظام العامّ الجاري في الخلق ٥، و النظام الخاصّ الجاري في كلّ نوع، و النظم و الترتيب الذي هو مستقرّ في أشخاص الأنواع، يصدّق ذلك؛ فإذا تأمّلنا في شيء من ذلك ٦، وجدنا مصالح و منافع في خلقه نقضي منها عجبا؛ و كلّما أمعنّا و تعمّقنا فيه، بدت لنا منافع جديدة، و روابط عجيبة، تدهش اللبّ، و تكشف عن دقّة الأمر و إتقان الصنع.
و ما تقدّم من البيان ٧ جار في العلل العالية و العقول المجرّدة، التي ذواتها تامّة، و
- للعالم، كان علمه بالعالم على النظام الأحسن علّة للعالم، فلا بدّ أن يوجد العالم على أحسن نظام.
و لا يخفى عليك: أنّ قوله «الذي هو عين ذاته» من الوصف المشعر بالعلّيّة؛ فعلّة كون علمه تعالى علّة لما سواه هو أنّه عين ذاته التي هي علّة لما سواه.
٥- قوله قدّس سرّه: «المشهود من النظام العامّ الجاري في الخلق»
استدلال على عنايته تعالى بطريق الإنّ، حيث إنّ النظم و المصالح و الروابط العجيبة من آثار العناية الفعليّة. هذا.
و أقول: كون هذا الاستدلال برهانا يتوقّف على كون مقدّماته، و منها ما ذكره من النظم و الروابط العجيبة في النظام المشهود، يقينيّة، مع أنّ المقدّمة المذكورة حاصلة من الاستقراء الناقص، و الاستقراء إنّما يفيد اليقين إذا كان تامّا. و الاستقراء التامّ في مفاد المقدّمة المذكورة متعذّر؛ لأنّ كثيرا من أجزاء العالم قد مضى و خرج عن موضوع الاستقراء. و كثير من أجزائه لم يتحقّق بعد، فهو أيضا خارج عن موضوع الاستقراء، بل لا موقع للاستقراء الناقص أيضا، حيث لا سبيل لنا إلى إدراك جميع مصالح موجود و منافعه.
فالحقّ أن يجعل هذا الاستدلال تأييدا لما أفاده البرهان اللّمّيّ، لا برهانا آخر.
٦- قوله قدّس سرّه: «فإذا تأمّلنا في شيء من ذلك»
الفاء للسببيّة. أي فإنّا إذا تأمّلنا.
٧- قوله قدّس سرّه: «ما تقدّم من البيان»
يعني ما تقدّم من البيان بكلا وجهيه، مع تغيير في عبارة الوجه الأوّل في الجملة.