نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٠٩٤
مبدء الكلّ. و هذا أيضا أصل.
و من الضروريّ أيضا، أنّ علّة علّة الشيء علّة لذلك الشيء، و أنّ معلول معلول الشيء معلول لذلك الشيء. و إذ كانت العلل تنتهي إلى الواجب تعالى، فكلّ موجود، كيفما فرض، فهو أثره. و ليس في العين إلّا وجود جواهر و آثارها و النسب و الروابط التي بينها، و لا مستقلّ في وجوده إلّا الواجب بالذات، و لا مفيض للوجود إلّا هو.
فقد تبيّن بما تقدّم ٩ أنّ الواجب تعالى، هو المجري لهذا النظام الجاري في نشأتنا المشهودة، و المدبّر بهذا التدبير العامّ المظلّ على أجزاء العالم، و كذا النظامات العقليّة النوريّة التي فوق هذا النظام و بحذائه، على ما يليق بحال كلّ منها حسب ما له من مرتبة الوجود. فالواجب لذاته ربّ للعالم مدبّر لأمره بالإيجاد بعد الإيجاد، و ليس للعلل المتوسّطة إلّا أنّها مسخّرة للتوسّط ١٠، من غير استقلال؛ و هو المطلوب. فمن
٩- قوله قدّس سرّه: «فقد تبيّن بما تقدّم»
لا يخفى عليك: أنّ هذا البرهان مبتن على مذهب المشّائين، من كون المعلول وجودا مستقلّا لا رابطا؛ لأنّ ما جاء في هذا البرهان، من كون الواجب تعالى علّة العلل و كون غيره أيضا علّة موجدة، إنّما يستقيم على ذلك المذهب.
و أيضا: أنّ غاية ما يثبته هذا البرهان إنّما هو كونه تعالى وحده ربّا مستقلّا، و إن كان هناك أرباب غيره تعالى هي مسخّرة له.
فكان الأولى بيان المطلوب و إثباته بما مرّ في الفصل الثامن من المرحلة الثامنة و سيأتي في الفصل الرابع عشر من هذا المرحلة من كون ما سواه من الموجودات روابط لا استقلال لها، لمكان المعلوليّة، فهي بأجمعها متقوّمة به تعالى، و ليس لشيء منها استقلال يصحّح به ربوبيّته لشيء، فهو فاعل قريب لكلّ الموجودات بأنظمتها. و بهذا يثبت أنّه تعالى ربّ العالمين لا ربّ سواه.
١٠- قوله قدّس سرّه: «و ليس للعلل المتوسطة إلّا أنّها مسخّرة للتوسّط»
فهي و أفعالها معلولة لما فوقها، حيث إنّ كلّا منها معلول لما فوقه بالمباشرة، و فعله معلول له بواسطته، فهو و فعله معلول لما فوقه.