نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٩٨٩
في جميع القضايا و بطل العلم من أصله.
و يتفرّع على ذلك:
أوّلا: أنّ لنا في كلّ قضيّة مفروضة، قضيّة حقّة، إمّا هي نفسها، أو نقيضها.
- مقدّمته الثانية استثناء عين المقدّم أو التالي؛ تقول- مشيرا إلى قولنا الكلّ أعظم من الجزء مثلا- إمّا أن يصدق إيجاب هذه القضيّة أو يصدق سلبها، لكن يصدق إيجابها؛ فينتج أنّه لا يصدق سلبها. و يحصل بذلك امتناع نقيضها، و هو العلم.
إن قلت: كيف تكون البديهيّات بديهيّة عندما يكون حصول العلم بها متوقّفا على قياس استثنائيّ؟ أو ليس كل ما يحصل العلم به بحجّة نظريّا؟!
قلت: النظريّ هو ما يحتاج إلى اكتساب و فكر، و الفكر حركات ثلاث: حركة العقل من المطلوب إلى المعلومات، و حركته بين المعلومات و اختيار ما يصلح لتأليف قياس يثبت المطلوب، و حركته من المعلومات المختارة إلى المطلوب، و هذا إنّما يحتاج اليه فيما إذا لم يكن القياس بنفسه حاضرا لدى الذهن، و أمّا فيما يكون قياسه حاضرا مرتكزا في الذهن فلا يحتاج فيه إلى اكتساب و فكر، فهو بديهيّ.
و يمكن الردّ عليه:
أوّلا: بأنّ مقتضى ما ذكر رجوع جميع البديهيّات إلى الفطريّات.
و ثانيا: بأنّ مقتضى انتهاء جميع النظريّات و البديهيّات إليها أن تنتهي نفسها إلى نفسها؛ فإنّ قضيّة «إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب» أيضا قضيّة بديهيّة لا يحصل العلم بها إلّا إذا علم امتناع نقيضها، و لا يعلم امتناع نقيضها إلّا إذا علم قولنا «إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب».
هذا.
فالحقّ أن يقال: إنّ العلم إذا فسّر بالاعتقاد الجازم المطابق للواقع الحاصل عن علّته، فكلّ قضيّة إنّما يحصل العلم بها من علّته الخاصّة به، و لا يتوقّف العلم بها على شيء آخر حتّى غير علّته الخاصّة حتّى قضيّة «إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب» المسمّاة باولى الأوائل. و أمّا لو زدنا في تعريف العلم قيد كونه مانعا من النقيض فحصول العلم بكلّ قضيّة و إن كان متوقّفا على امّ القضايا إلّا أنّ الذي يتوقّف عليها هو نفي نقيضها.