نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٩٣٢
مثاليّ أو عقليّ حاضر بوجوده الخارجيّ للمدرك، و ان كان مدركا من بعيد ٤٧.
و لنرجع إلى ما كنّا بصدده، من الكلام في تعريف العلم؛ فنقول: حصول العلم و وجوده للعالم ممّا لا ريب فيه ٤٨؛ و ليس كلّ حصول كيف كان، بل حصول أمر هو
- هي بأنفسها علوم حضوريّة، بينما يذهب هيهنا إلى أنّ العلوم الحصوليّة تنتهي إلى العلوم الحضوريّة، و تكون مأخوذة منها، فكيف التوفيق؟
قلت: هنا مقامان:
المقام الأوّل: أنّ الصور العلميّة الحاصلة للنفس معلومة لها علما حضوريّا، و إليه يشير في ما في بداية الحكمة.
المقام الثاني: أنّ هذه الصور العلميّة المعلومة للنفس بعلم حضوريّ مأخوذة من حقائق مثاليّة أو عقليّة، تكون هي أيضا معلومة لها بعلم حضوريّ. و هذا هو الذي بيّنه هاهنا.
و لا يخفى عليك أيضا: أنّ كلامه في هذا الكتاب كثيرا ما يبتني على ما ذهب إليه في بداية الحكمة، فإنّ إباءه عن قبول ما ذهب إليه الجمهور من كون العلم الحصوليّ كيفا نفسانيّا- كما مرّ في المرحلة الثالثة و في الفصل الخامس عشر من المرحلة السّادسة- إنّما يستقيم على ذلك المذهب، و إلّا فعلى ما ذهب إليه هنا، فما يضطرّ إليه العقل و يأخذه من المجرّدات المعلومة بالعلم الحضوريّ كيف نفسانيّ.
٤٧- قوله قدّس سرّه: «و ان كان مدركا من بعيد»
معنى كونه مدركا من بعيد، أنّ النفس لكونها محاطة بذلك المجرّد- من جهة أنّها متعلّقة بالمادّة مخلدة إلى الأرض- لا يمكنها أن تدركه حقّ إدراكه و كما يدرك الشيء من قريب؛ فهي بعيدة عنه، و ان كان هو قريبا منها محيطا بها، حيث إنّ المثال و العقل محيطان بعالم المادّة، داخلان فيه لا بممازجة، فالبعد إنّما هو من طرف واحد.
٤٨- قوله قدّس سرّه: «حصول العلم و وجوده للعالم ممّا لا ريب فيه»
ليس المراد بكون وجود العلم للعالم كونه موجودا لغيره بالمعنى المصطلح الذي مرّ في الفصل الثالث من المرحلة الثانية، إذ قد صرّح في هذا الفصل بكون الصورة العلميّة قائمة بنفسها، و هي مبدء فاعليّ للمعلوم بالعرض؛ بل المراد كونه حاضرا للعالم مشهودا له.-