نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٢٠٦
صرف لا سبيل إلى وجوده، و ما شرّه غالب و ما خيره و شرّه متساويان تأباهما العناية الإلهيّة التي نظمت نظام الوجود على أحسن ما يمكن و أتقنه.
و أنت إذا تأمّلت أيّ جزء من أجزاء الكون، وجدته أنّه لو لم يقع على ما وقع عليه، بطل بذلك النظام الكونيّ، المرتبط بعض أطرافه ببعض، من أصله ٢٩؛ و كفى بذلك شرّا غالبا في تركه خير غالب.
و إذ تبيّن أنّ الشرور القليلة التي تلحق الأشياء من لوازم الخيرات الكثيرة التي لها، فالقصد و الإرادة تتعلّق بالخيرات بالأصالة، و بالشرور اللازمة لها بالتبع و بالقصد الثاني.
و من هنا يظهر أنّ الشرور داخلة في القضاء الإلهيّ بالقصد الثاني، و إن شئت قلت: بالعرض، نظرا إلى أنّ الشرور أعدام، لا يتعلّق بها قصد بالذات.
- الشرّ في القضاء الإلهيّ و إن قلنا بكون بعض الشرّ وجوديّا. فكان الأولى أن يأتي بالبيان الذي أتى به في الفصل الثالث من المرحلة الثانية عشرة من بداية الحكمة من قوله: «و أمّا الأقسام الثلاثة الباقية، فهي غير موجودة، أمّا ما خيره و شرّه متساويان، فإنّ في إيجاده ترجيحا بلا مرجّح، و أمّا ما شرّه كثير و خيره قليل، فإنّ في إيجاده ترجيح المرجوح على الراجح، و أمّا ما هو شرّ محض، فأمره واضح» انتهى.
٢٩- قوله قدّس سرّه: «المرتبط بعض أطرافه ببعض من أصله»
وصف مشعر بالعلّيّة، أي بطل النظام الكونيّ من أصله، لارتباط أجزائه بعضها ببعض. و قد مرّ في الفصل الرابع عشر قوله: «ارتباط الموجودات بعضها ببعض عرضا و طولا، يجعل الجميع واحدا يتقيّد بعض أجزائه ببعض في وجوده. فإفاضة واحد منها إنّما يتمّ بإفاضة الكلّ. فليست الإفاضة إلّا واحدة ينال كلّ منها ما في وسعه أن يناله». انتهى.