نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١١٧٢
و ذهب جمع آخر من المتكلّمين- و هم الأشاعرة و من تبعهم- إلى أن كلّ ما هو موجود غير الواجب بالذات ٢٧، من ذات، أو صفة، أو فعل، فهو بإرادة الواجب بالذات، من غير واسطة ٢٨. فالكلّ أفعاله؛ و هو الفاعل، لا غير ٢٩.
- لا يخفى عليك: أنّ هذه الجملة أنسب بالجواب الأوّل الذي هو جواب أرسطو.
و يؤيّده أنّه أتى في بداية الحكمة في الفصل الثالث من المرحلة الثانية عشرة بما في معناه في مطاوي كلمات أرسطو في هذا المقام.
٢٧- قوله قدّس سرّه: «إلى أنّ كلّ ما هو موجود غير الواجب بالذات»
حاصل مذهبهم في هذا الباب أنّ اللّه تعالى- لكونه خالق كلّ شيء- فاعل لكلّ موجود و لآثاره و أفعاله بلا واسطة، بمعنى أنّه ليس لشيء غيره تعالى تأثير في شيء، و لا له أدنى مدخليّة في وجوده، فلا توقّف لشيء على شيء آخر غيره تعالى. و الإنسان قادر مختار، لكن لا مدخل لإرادته و اختياره في حصول الفعل، و إنّما اللّه تعالى يوجد الفعل مقارنا لإرادته، كما يوجد الإرادة مقارنا لشوقه، و الشوق مقارنا لتصديقه بالفائدة، و هكذا يوجد كلّ ما نسمّيه أثرا لشيء مقارنا لمؤثّره.
و المقارنة التي بين وجود الفعل بإيجاده تعالى و بين إرادة العبد، تسمّى في اصطلاحهم بالكسب، فالفعل عندهم مخلوق للباري مكسوب للعبد. و هذا الكسب هو المصحّح للثواب و العقاب. و عليه يحملون قوله تعالى: «لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ».
فما نسمّيه سببا أو فاعلا أو علّة، مجرّد عادة منّا في هذه التسمية، نشأت من جريان عادة اللّه تعالى بإيجاد أشياء مقارنا لأشياء اخر. و الأفعال كلّها جبريّة، و إن كانت الفواعل العاديّة مختلفة، بعضها مختار كالإنسان، و ذلك لأنّ اختيار الفاعل لا دخل له في الفعل أصلا.
٢٨- قوله قدّس سرّه: «من غير واسطة»
أي: من غير دخالة شيء غيره تعالى، سواء أكان فاعلا مفيضا أم شرطا و معدّا يتوقّف عليه المعلول.
فنفي الواسطة في كلامهم بمعنى نفي مطلق العلّة. و هذا بخلاف نفي الواسطه في طريقة الراسخين فإنّه كان بمعنى نفي الفاعل المفيض فقط؛ فإنّهم يرون الإنسان و سائر الأسباب شرائط، يتوقّف عليها وجود الأفعال و المسبّبات توقّف المعلول على شرطه.
٢٩- قوله قدّس سرّه: «هو الفاعل، لا غير»-