نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٠٩٨
فان قيل: إحكام النظام و إتقانه العجيب الحاكم بين أجزائه يشهد أنّ التدبير الجاري تدبير عن علم ١٦، و الاصول الحكميّة القاضية باستناد العالم المشهود إلى علل مجرّدة عالمة يؤيّد ذلك. فهب أنّ الأرباب المفروضين متكثّرة الذوات و متغايرتها، و يؤدّي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال و تدافعها ١٧، لكن من الجائز أن يتواطؤوا على التسالم و هم عقلاء و يتوافقوا على التلاؤم، رعاية لمصلحة النظام الواحد و تحفّظا على بقائه.
قلت: لا ريب أنّ العلوم التي يبني عليها العقلاء أعمالهم صور علميّة ١٨ و قوانين كلّيّة مأخوذة من النظام الخارجيّ الجاري في العالم. فللنظام الخارجيّ نوع تقدّم على تلك الصور العلميّة و القوانين الكلّيّة، و هي تابعة له. ثمّ هذا النظام الخارجيّ بوجوده الخارجيّ فعل اولئك الأرباب المفروضين، و من المستحيل أن يتأثّر الفاعل في فعله عن الصور العلميّة المنتزعة عن فعله المتأخّرة عن الفعل.
فان قيل: هب أنّ الأرباب المفروضين الفاعلين للنظام الخارجيّ لا يتّبعون في فعلهم الصور العلميّة المنتزعة عن الفعل، و هي علوم ذهنيّة حصوليّة تابعة للمعلوم، لكنّ الأرباب المفروضين فواعل علميّة لهم علم بفعلهم في مرتبة ذواتهم قبل الفعل.
فلم لا يجوز تواطؤهم على التسالم و توافقهم على التلاؤم في العلم قبل الفعل؟
١٦- قوله قدّس سرّه: «تدبير عن علم»
و إذا كان عن علم ذي دخل فيه، كان تدبيرا اختياريّا. كما مرّ بيانه في الفصل السابع من المرحلة الثامنة.
١٧- قوله قدّس سرّه: «و يؤدّي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال و تدافعها»
أي: لو كانوا فاعلين بالطبع و لم يكن لهم علم و اختيار.
١٨- قوله قدّس سرّه: «صور علميّة»
أي: علوم حصوليّة. و قد مرّ في الفصل الثالث من المرحلة الحادية عشرة أنّ أخذ المفهوم يتوقّف على نوع من الاتّصال بالمصداق. و هذا معنى كون العلم الحصوليّ تابعا للمعلوم.