نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٠٢٨
البدن أغفلها علومها و شغلها عن التوجّه إليها.
و فيه: أنّ نحو وجود النفس، بما أنّها نفس، أنّها صورة مدبّرة للبدن؛ فتدبير البدن ذاتيّ لها حيثما فرضت نفسا ٣؛ فلا يؤول الجمع بين ذاتيّة العلوم لها و بين شاغليّة تدبير البدن لها عن علومها إلّا إلى المناقضة ٤.
نعم! يتّجه هذا القول بناء على ما نسب إلى أفلاطون ٥، أنّ النفوس قديمة زمانا ٦، و العلوم ذاتيّة لها، و قد سنح لها التعلّق التدبيريّ بالأبدان، فأنساها التدبير علومها المرتكزة في ذواتها.
٣- قوله قدّس سرّه: «فتدبير البدن ذاتيّ لها حيثما فرضت نفسا»
يشير بقوله: «حيثما فرضت نفسا» إلى أنّه عند ما تترك تدبير البدن بالموت لا تبقى نفسا، بل تكون قد تكاملت و صارت وجودا مجرّدا محضا- مثاليّا أو مثاليّا و عقليّا- و على أيّ التقديرين فهي مفارقة للمادّة، لا تعلّق لها بالمادّة لا ذاتا و لا فعلا. و ذلك نظير ما ترى من أنّ الجسم النامي يصير حيوانا، ثمّ إنسانا.
٤- قوله قدّس سرّه: «فلا يؤول الجمع بين ذاتيّة العلوم لها و بين شاغليّة تدبير البدن لها عن علومها إلّا إلى المناقضة.»
و ذلك لأنّ مقتضى ذاتيّة العلوم لها على ما ذهبوا إليه هو التفاتها إلى تلك العلوم في بدء كينونتها و إنّما أغفلها إيّاها اشتغالها بتدبير البدن، و مقتضى شاغليّة تدبير البدن لها- و تدبير البدن ذاتيّ لها- عدم التفاتها إلى تلك العلوم أصلا.
و فيه: منع اقتضاء الذاتيّة الالتفات، بل الذاتيّة هو كونها مركوزة في النفس موجودة فيها، سواء غفلت عنها أم لا. فلا منافاة بين شاغليّة البدن لها عن علومها و بين كون العلوم ذاتيّة لها.
٥- قوله قدّس سرّه: «على ما نسب إلى أفلاطون»
إنّما عبّر بقوله: «نسب» للإشارة إلى ما يحكيه بعيد هذا عن صدر المتألّهين قدّس سرّه من توجيه قوله بالقدم بأنّ المراد قدم نشأتها العقليّة.
٦- قوله قدّس سرّه: «أنّ النفوس قديمة زمانا»
مراده من القدم الزمانيّ ليس مجرّد عدم مسبوقيّتها بالعدم الزمانيّ- كما في قدم المادّة و الحركة و الزمان زمانا- بل المراد كونها أزليّة لا بدء لوجودها.