نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٠٢٦
عنه، صفتان عامّتان متلازمتان لا سبب لهما ١٤؛ بل الملازمة ذاتيّة، كسائر موضوعات الحكمة الإلهيّة. و وجود المحسوس في الخارج من النفس من مصاديق هاتين المتلازمتين، ينتقل العقل من أحدهما إلى الآخر. و هذا كما أنّ الملازمة بين الشيء و بين ثبوته لنفسه ذاتيّة ١٥، و ثبوت هذا الشيء لنفسه من مصاديقه، و العلم به لا يتوقّف على سبب.
فقد ظهر ممّا تقدّم أنّ البحث عن المطلوب إنّما يفيد العلم به بالسلوك إليه عن طريق سببه، إن كان ذا سبب؛ أو من طريق الملازمات العامّة إن كان ممّا لا سبب له.
و أمّا السلوك إلى العلّة من طريق المعلول فلا يفيد علما البتّة ١٦.
١٤- قوله قدّس سرّه: «صفتان عامّتان متلازمتان لا سبب لهما»
أي: ليس التلازم الموجود بينهما ناشئا عن علّيّة و معلوليّة، حتّى يكون تلازمهما مسبّبا عن سبب بل الملازمة ذاتيّة، حيث إنّ أحدهما عين الآخر في الخارج، فتلازمهما في الذهن لذاتهما التي ليست إلّا حقيقة واحدة في الخارج. و إن شئت فقل: إنّ التلازم بينهما ليس تلازما خارجيّا، بل إنّما هو تلازم تحليليّ عقليّ، حيث يرى العقل كلّا منهما لا ينفكّ عن الآخر.
١٥- قوله قدّس سرّه: «كما أنّ الملازمة بين الشيء و بين ثبوته لنفسه ذاتيّة»
فعندما نقول: «هذا شيء، و كلّ شيء ثابت لنفسه»، الأوسط و هو الشيء و الأكبر و هو ثبوته لنفسه، موجودان في الخارج بوجود واحد هو وجود هذا الشيء، فلا علّيّة و معلوليّة بينهما، و إنّما هما متلازمان لا سبب لهما.
١٦- قوله قدّس سرّه: «و أمّا السلوك إلى العلّة من طريق المعلول فلا يفيد علما البتّة»
لأنّه قد ثبت في هذا الفصل أنّ العلم بالمعلول لا يحصل إلّا من العلم بعلّته. فلو توقّف العلم بالعلّة أيضا على العلم بالمعلول، للزم الدور. كما نبّه عليه في تعليقته على الأسفار، ج ٦، ص ٢٧.
ثمّ لا يخفى عليك: أنّ السلوك من أحد معلولي علّة واحدة إلى الآخر، مستلزم للسلوك من المعلول إلى العلّة؛ لأنّه لا يمكن السلوك من أحد المعلولين إلى الآخر مباشرة، و إنّما يسلك منه إلى العلّة و منها إلى المعلول الآخر.
فيتلخّص ممّا بيّنه في هذا الفصل أنّ المفيد لليقين من البرهان، هو البرهان اللمّيّ أو الإنّيّ الذي يسلك فيه من أحد المتلازمين العامّين إلى الآخر؛ دون ما كان السلوك فيه من المعلول إلى العلّة، أو من أحد معلولي علّة ثالثة إلى الآخر.