النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب - الطبرسي النوري، حسين - الصفحة ٩٩
مراهق، فاجتهدنا في طلب القافلة، بجهلنا، ولم نفكّر في عاقبة الأمر، وصرنا كلّما انقطع منّا صبيّ من التعب خلوه إلى الضعف، فضللنا عن الطريق، ووقعنا في واد لم نكن نعرفه، وفيه شوك، وشجر ودغل، لم نَرَ مثله قطّ، فأخذنا في السير حتّى عجزنا وتدلّت ألسنتنا على صدورنا من العطش، فأيقنّا بالموت، وسقطنا لوجوهنا.
فبينما نحن كذلك إذا بفارس على فرس أبيض، قد نزل قريباً منّا، وطرح مفرشاً لطيفاً لم نَرَ مثله تفوح منه رائحة طيّبة، فالتفتنا إليه وإذا بفارس آخر على فرس أحمر عليه ثياب بيض، وعلى رأسه عمامة لها ذؤابتان، فنزل على ذلك المفرش ثم قام فصلّى بصاحبه، ثمّ جلس للتعقيب.
فالتفت اليّ وقال: يا محمود! فقلت: بصوت ضعيف لبيك يا سيدي، قال: ادنُ منّي، فقلت: لا استطيع[١] لما بي من العطش والتعب، قال: لا بأس عليك.
فلمّا قالها حسبت كأن قد حدث في نفسي روح متجدّدة، فسعيت إليه حبواً فمرّ[٢] يده على وجهي وصدري ورفعها الى حنكي فردّه حتّى لصق بالحنك الأعلى ودخل لساني في فمي، وذهب ما بي، وعدت كما كنت أوّلا.
فقال: قم وائتني بحنظلة من هذا الحنظل، وكان في الوادي حنظل كثير فأتيته بحنظلة كبيرة فقسّمها نصفين، وناولنيها، وقال: كل منها، فأخذتها منه، ولم أقدم على مخالفته وعندي أمرني أن آكل الصّبر لما أعهد من مرارة الحنظل فلمّا ذقتها فاذا هي أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك شبعت ورويت.
ثم قال لي: ادعُ صاحبك، فدعوته، فقال بلسان مكسور ضعيف: لا أقدر على الحركة، فقال له: قم لا بأس عليك، فأقبل اليه حبواً، وفعل معه كما فعل معي، ثمّ نهض ليركب، فقلنا بالله عليك يا سيّدنا الّا ما أتممت علينا نعمتك، وأوصلتنا إلى
[١] هذا هو الظاهر، والنسخة (لم استطع) منه رحمه الله.
[٢] فأمرّ ظ.