النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب - الطبرسي النوري، حسين - الصفحة ٦٢
فقلنا للناخداه والرُّبان وهو الدّليل: هؤلاء قوم قد عاشرناهم وصاروا رفقة، وما يحسن لنا أن نتخلّف عنهم أينما يكونوا نكون معهم، حتى نعلم ما يستقرّ حالهم عليه؟ فقال الرّبان: والله ما أعلم هذا البحر أين المسير فيه، فأستاجرنا رُبّاناً ورجالا، وقلعنا القلع[١] وسرنا ثلاثة عشر يوماً بلياليها حتى كان قبل طلوع الفجر، فكبّر الرّبان فقال: هذه والله أعلام الزاهرة ومنائرها وجدرها انّها قد بانت، فسرنا حتى تضاحى النهار.
فقدمنا إلى مدينة لم تر العيون أحسن منها ولا أخفّ على القلب، ولا أرقّ من نسيمها ولا أطيب من هوائها، ولا أعذب من مائها[٢]، وهي راكبة البحر، على جبل من صخر أبيض، كأنّه لون الفضّة، وعليها سور إلى ما يلي البحر، والبحر يحوط الذي يليه منها، والأنهار منحرفة في وسطها يشرب منها أهل الدّور والأسواق وتأخذ منها الحمّامات وفواضل الأنهار ترمى في البحر، ومدى الأنهار فرسخ ونصف، وفي تحت ذلك الجبل بساتين المدينة وأشجارها، ومزارعها عند العيون وأثمار تلك الأشجار لا يرى أطيب منها ولا أعذب ; ويرعى الذئب والنعجة عياناً ولو قصد قاصد لتخلية دابة في زرع غيره لما رعته، ولا قطعت قطعة حمله ولقد شاهدت السباع والهوامّ رابضة في غيض تلك المدينة، وبنو آدم يمرّون عليها فلا تؤذيهم.
فلمّا قدمنا المدينة وأرسى المركب فيها، وما كان صحبنا من الشوابي والذوابيح من المباركة بشريعة الزاهرة، صعدنا فرأينا مدينة عظيمة عيناء كثيرة الخلق، وسيعة الربقة، وفيها الأسواق الكثيرة، والمعاش العظيم، ويرد إليها الخلق من البرّ والبحر،
[١] قال الجوهري في الصحاح: ج ٣، ص ١٢٧١: " والقِلْعُ بالكسر: الشراع، والجمع قلاع... وسفن مقلعات ".
[٢] هنا ذكر المؤلف رحمه الله بيت شعر بالفارسية:
| چشم فلك نديد ونه گوش ملك شنيد | زين خوبتر بلاد و پسنديده تر مقر |
ومعناه بالعربية:
| لم تر عين القلب ولم تسمع اذن الملك | أحسن من هذي البلاد وأرضى منها مقرّاً |