النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب - الطبرسي النوري، حسين - الصفحة ٣١٠
فبينما أنا اُفكّر في ذلك وليس في المسجد أحد أبداً وقد أوقدت ناراً لأسخن عليها قهوة جئت بها من النجف، لا أتمكّن من تركها لتعوّدي بها، وكانت قليلة جدّاً إذا بشخص من جهة الباب الأوّل متوجّهاً إليّ، فلمّا نظرته من بعيد تكدّرت وقلت في نفسي: هذا أعرابي من أطراف المسجد، قد جاء إليّ ليشرب من القهوة وأبقى بلا قهوة في هذا الليل المظلم، ويزيد عليّ همّي وغمّي.
فبينما أنا اُفكّر إذا به قد وصل إليّ وسلّم عليّ باسمي وجلس في مقابلي فتعجّبت من معرفته باسمي، وظننته من الذين أخرج إليهم في بعض الأوقات من أطراف النجف الأشرف فصرت أسأله من أيّ العرب يكون؟ قال: من بعض العرب فصرت أذكر له الطوائف التي في أطراف النجف، فيقول: لا، لا، وكلّما ذكرت له طائفة قال: لا لست منها.
فأغضبني وقلت له: أجل أنت من طُريطرة مستهزءاً وهو لفظ بلا معنى، فتبسّم من قولي ذلك، وقال: لا عليك من أينما كنت، ما الذي جاء بك إلى هنا؟ فقلت: وأنت ما عليك السؤال عن هذه الأمور؟ فقال: ما ضرّك لو أخبرتني؟ فتعجّبت من حسن أخلاقه وعذوبة منطقه، فمال قلبي إليه، وصار كلّما تكلّم ازداد حبّي له، فعملت له السبيل من التتن، وأعطيته، فقال: أنت اشرب فأنا ما أشرب، وصببت له في الفنجان قهوة وأعطيته، فأخذه وشرب شيئاً قليلا منه، ثمّ ناولني الباقي وقال: أنت اشربه فأخذته وشربته، ولم ألتفت إلى عدم شربه تمام الفنجان، ولكن يزداد حبّي له آناً فآناً.
فقلت له: يا أخي أنت قد أرسلك الله إليّ في هذه الليلة تأنسني أفلا تروح معي إلى أن نجلس في حضرة مسلم عليه السلام، ونتحدّث؟ فقال: أروح معك فحدّث حديثك.
فقلت له: أحكي لك الواقع أنا في غاية الفقر والحاجة، مذ شعرت على نفسي، ومع ذلك معي سعال أتنخّع الدّم، وأقذفه من صدري منذ سنين، ولا أعرف علاجه