النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب - الطبرسي النوري، حسين - الصفحة ١٠٠
أهلنا، فقال: لا تعجلوا وخطّ حولنا برمحه خطّة، وذهب هو وصاحبه، فقلت لصاحبي: قم بنا حتى نقف بازاء الجبل ونقع على الطريق، فقمنا وسرنا وإذا بحائط في وجوهنا فأخذنا في غير تلك الجهة فاذا بحائط آخر، وهكذا من أربع جوانبنا.
فجلسنا وجعلنا نبكي على أنفسنا، ثمّ قلت لصاحبي: ائتنا من هذا الحنظل لنأكله، فأتى به فاذا هو أمرّ من كلّ شيء، وأقبح، فرمينا به، ثمّ لبثنا هنيئة وإذا قد استدار من الوحش ما لا يعلم الّا الله عدده، وكلّما أرادوا القرب منّا منعهم ذلك الحائط، فاذا ذهبوا زال الحائط، وإذا عادوا عاد.
قال: فبتنا تلك الليلة آمنين حتى أصبحنا، وطلعت الشمس واشتدّ الحرّ وأخذنا العطش فجزعنا أشدّ الجزع، وإذا بالفارسين قد أقبلا وفعلا كما فعلا بالأمس، فلمّا أرادا مفارقتنا قلنا له: بالله عليك الّا أوصلتنا إلى أهلنا، فقال: أبشرا فسيأتيكما من يوصلكما إلى أهليكما ثمّ غابا.
فلمّا كان آخر النهار إذا برجل من فراسنا، ومعه ثلاث أحمرة، قد أقبل ليحتطب فلمّا رآنا ارتاع منّا وانهزم، وترك حميره فصحنا إليه باسمه، وتسمّينا له فرجع وقال: يا ويلكما انّ أهاليكما قد أقاموا عزاءكما، قوما لا حاجة لي في الحطب، فقمنا وركبنا تلك الأحمرة، فلمّا قربنا من البلد، دخل أمامنا، وأخبر أهلنا ففرحوا فرحاً شديداً وأكرموه وأخلعوا عليه.
فلمّا دخلنا إلى أهلنا سألوا عن حالنا، فحكينا لهم بما شاهدناه، فكذّبونا وقالوا: هو تخييل لكم من العطش.
قال محمود: ثمّ أنساني الدهر حتى كأن لم يكن، ولم يبقَ على خاطري شيء منه حتّى بلغت عشرين سنة، وتزوّجت وصرت أخرج في المكاراة ولم يكن في أهلي أشدّ منّي نصباً لأهل الايمان، سيّما زوّار الأئمة عليهم السلام بسرّ من رأى فكنت أكريهم الدّوابّ بالقصد لأذيّتهم بكلّ ما أقدر عليه من السرقة وغيرها وأعتقد انّ ذلك ممّا يقرّبني إلى الله تعالى.