النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب - الطبرسي النوري، حسين - الصفحة ١٨٩
الحال مدّة ثمانية عشر يوماً، ونحن في صحبته أطال الله بقاءه.
فأوّل جمعة صلّيتها معهم رأيت السيّد سلّمه الله صلّى الجمعة ركعتين فريضة واجبة، فلمّا انقضت الصلاة قلت: يا سيّدي قد رأيتكم صلّيتم الجمعة ركعتين فريضة واجبة؟ قال: نعم، لأنّ شروطها المعلومة قد حضرت فوجبت، فقلت في نفسي: ربّما كان الامام عليه السلام حاضراً.
ثمّ في وقت آخر سألت منه في الخلوة: هل كان الامام حاضراً؟ فقال: لا، ولكنّي أنا النائب الخاص بأمر صدر عنه عليه السلام، فقلت: يا سيّدي! وهل رأيت الامام عليه السلام؟ قال: لا، ولكنّي حدّثني أبي رحمه الله انّه سمع حديثه ولم يَرَ شخصه وانّ جدّي رحمه الله سمع حديثه ورأى شخصه.
فقلت له: ولم ذاك يا سيدي يختصّ بذلك رجل دون آخر؟ فقال لي: يا أخي! انّ الله سبحانه وتعالى يؤتي الفضل من يشاء من عباده، وذلك لحكمة بالغة وعظمة قاهرة، كما انّ الله تعالى اختصّ من عباده الأنبياء والمرسلين، والأوصياء المنتجبين، وجعلهم اعلاماً لخلقه، وحججاً على بريّته، ووسيلة بينهم وبينه ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيي من حيّ عن بيّنة، ولم يخل أرضه بغير حجّة على عباده للطفه بهم، ولابدّ لكلّ حجة من سفير يبلغ عنه.
ثمّ انّ السيد سلّمه الله أخذ بيدي إلى خارج مدينتهم، وجعل يسير معي نحو البساتين، فرأيت فيها أنهاراً جارية، وبساتين كثيرة، مشتملة على أنواع الفواكه، عظيمة الحسن والحلاوة، من العنب والرّمان، والكمّثرى وغيرها ما لم أرَها في العراقين، ولا في الشامات كلّها.
فبينما نحن نسير من بستان إلى آخر إذ مرّ بنا رجل بهيّ الصورة، مشتمل ببردتين من صوف أبيض، فلمّا قرب منّا سلّم علينا وانصرف عنّا، فأعجبتني هيئته فقلت للسيّد سلّمه الله: من هذا الرجل؟ قال لي: اتنظر إلى هذا الجبل الشاهق؟ قلت: نعم، قال: إنّ في وسطه لمكاناً حسناً وفيه عين جارية، تحت شجرة ذات