السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٤٣ - غزوة بني قريظة
فقالوا: يا ابن الحضير نحن مواليك و خاروا: أي خافوا، قال: لا عهد بيني و بينكم.
و تقدم أسيد إلى بني قريظة يجوز أن يكون قبل مقدم عليّ لهم، و يجوز أن يكون بعده.
و إنما قال لهم: يا إخوان القردة و الخنازير، لأن اليهود مسخ شبانهم قردة و شيوخهم خنازير عند اعتدائهم يوم السبت بصيد السمك، و قد حرم عليهم ذلك كسائر الأعمال. و قد أمرهم أن يتفرغوا لعبادة ربهم في ذلك اليوم، و كان ذلك في زمن داود (عليه السلام) فلما مسخوا خرجوا من تلك القرية هائمين على وجوههم متحيرين، فمشوا ثلاثة أيام لا يأكلون و لا يشربون، ثم ماتوا، و هذا دليل لمن يقول إن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام و لم يحصل منه توالد و لا تناسل.
و في الكشاف؛ قيل إن أهل أيلة: أي و هي قرية بين مصر و مدين لما اعتدوا في السبت قال داود عليه الصلاة و السلام: اللهم العنهم و اجعلهم للناس آية، فمسخوا قردة.
و لما كفر أصحاب عيسى عليه الصلاة و السلام بعد المائدة، قال عيسى: اللهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين، و العنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير، و كانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة و لا صبي، هذا كلامه فليتأمل، فمكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون و لا يشربون فماتوا.
ثم إن جماعة من الصحابة شغلهم ما لم يكن لهم منه بدّ عن المسير لبني قريظة ليصلوا بها العصر، فأخروا صلاة العصر إلى أن جاءوا بعد عشاء الآخرة، امتثالا لقوله (صلى اللّه عليه و سلم) «لا يصلين العصر إلا في بني قريظة» فصلوا العصر بها بعد عشاء الآخرة. أي و بعضهم قال: نصلي، ما يريد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منا أي ندع الصلاة و نخرجها عن وقتها، و إنما أراد الحث على الإسراع فصلوها في أماكنهم، ثم ساروا فما عابهم اللّه في كتابه و لا عنفهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي لأن كلا من الفريقين تأول.
قال في الهدى: كل من الفريقين مأجور بقصده، إلا أن من صلى حاز الفضيلتين و لم يعنف الذين أخروها لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر، و هو دليل على أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب.
و ادعى ابن التين (رحمه اللّه) أن الذين صلوا العصر صلوها على ظهور دوابهم.
قال لأنهم لو صلوا نزولا لكان مضادة لما أمروا به من الإسراع، و لا يظن ذلك مع تقرب أفهامهم.
قال الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه): و فيه نظر، لأنه لم يأمرهم بترك النزول، و لم أر أنهم صلوا ركبانا في شيء من طرق القصة. و التعليل بالإسراع يقتضي أنهم صلوا