السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢ - باب عرض رسول اللّه
و لكنا نريد الوفاء و الصدق، و بذل مهج أنفسنا دون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي و البراء بن معرور هو أول من أوصى بثلث ماله.
و في رواية أن العباس قال: قد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة و جلد و بصر بالحرب و استقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة فأروا رأيكم و ائتمروا بينكم، و لا تفرقوا إلا عن ملأ منكم و اجتماع، فإن أحسن الحديث أصدقه.
أقول: قول العباس قد أبى محمد الناس كلهم غيركم، ربما يفيد أن الناس غير الأنصار وافقوه على مناصرته فأباهم، و لا يساعد عليه ما تقدم، و لو لا التأكيد بلفظ كلهم لأمكن أن يراد بالناس قبيلة شيبان بن ثعلبة، فإنهم كما تقدم قالوا له: ننصرك بما يلي مياه العرب دون ما يلي مياه كسرى فأبى ذلك. و يحتمل أن المراد بالناس الذين أباهم أهله و عشيرته و اللّه أعلم.
و عند ما تكلم العباس بما ذكر، قالوا له: قد سمعنا مقالتك، فتكلم يا رسول اللّه، فخذ لنفسك و لربك ما أحببت. و في رواية: خذ لنفسك ما شئت، و اشترط لربك ما شئت، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): أشترط لربي عز و جل أن تعبدوه و لا تشركوا به شيئا، و لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم و أبناءكم و نساءكم، فقال ابن رواحة: فإذا فعلنا فما لنا؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): لكم الجنة، قالوا ربح البيع لا نقيل و لا نستقيل.
و في رواية: «فتكلم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فتلا القرآن، و دعا إلى اللّه عز و جل و رغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم و أبناءكم» أي و في رواية «أنهم قالوا له: يا رسول اللّه نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع و الطاعة في النشاط و الكسل، و النفقة في العسر و اليسر، و على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و أن تقولوا في اللّه لا تخافوا في اللّه لومة لائم، و على أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم و أزواجكم و أبناءكم و لكم الجنة، فأخذ البراء بن معرور بيده (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم قال: نعم و الذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع به أزرنا أي نساءنا و أنفسنا» لأن العرب تكنى بالإزار عن المرأة و عن النفس «فنحن و اللّه أهل الحرب و أهل الحلقة» أي السلاح «ورثناها كابرا عن كابر، و بينا البراء يكلم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال أبو الهيثم بن التيهان» بتشديد المثناة تحت و تخفيفها «نقبله على مصيبة المال و قتل الأشراف، فقال العباس: اخفوا جرسكم: أي صوتكم، فإن علينا عيونا، ثم قال أبو الهيثم: يا رسول اللّه إن بيننا و بين الرجال؛ يعني اليهود حبالا أي عهودا، و إنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك و تدعنا؟ فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم قال: بل الدم الدم و الهدم الهدم، بفتح الدال و سكونها: إهدار دم القتيل: أي دمي دمكم: أي تطلبون بدمي و أطلب بدمكم،