السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٧ - باب غزوة بدر الكبرى
إخوة و عمان، كل منهم حضر بدرا اثنان من إخوتها مسلمان، و اثنان مشركان، و واحد من عميها مسلم، و الآخر كافر، فالأخوان المسلمان: أبو حذيفة و مصعب بن عمير و لعله كان أخاها لأمها، و الكافران: الوليد بن عتبة و أبو عزيز، و العم المسلم معمر بن الحارث و لعله كان أخا لعتبة لأمه، و العم الكافر شيبة بن ربيعة، و كان من حكمة اللّه تعالى أن اللّه جعل المسلمين قبل أن يلتحم القتال في أعين المشركين قليلا استدراجا لهم ليقدموا، و لما التحم القتال جعلهم اللّه في أعين المشركين كثيرا ليحصل لهم الرعب و الوهن، و جعل اللّه المشركين عند التحام القتال في أعين المسلمين قليلا ليقوى جأشهم على مقاتلتهم.
و من ثم جاء عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: لقد قلّوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل أ تراهم سبعين، قال: أراهم مائة، و أنزل اللّه تعالى وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: الآية ٤٤]، و من ثم قال اللّه تعالى قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ أُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ [آل عمران: الآية ١٣] أي يرى أولئك الكفار المؤمنين مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران: الآية ١٣].
أي و قد ذكر أن قباث بن أشيم رضي اللّه تعالى عنه- فإنه أسلم بعد ذلك- قال في نفسه يوم بدر: لو خرجت نساء قريش بأكمتها لردّت محمدا و أصحابه. و عنه أنه قال: لما كان بعد الخندق قدمت المدينة سألت عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقالوا: هو ذاك في محل المسجد مع ملأ من أصحابه، فأتيته و أنا لا أعرفه من بينهم، فسلمت عليه فقال (صلى اللّه عليه و سلم) «يا قباث أنت القائل يوم بدر: لو خرجت نساء قريش بأكمتها ردت محمدا و أصحابه، فقال قباث: و الذي بعثك بالحق ما تحدث به لساني و لا ترفرفت به شفتاي و لا سمعه مني أحد، و ما هو إلا شيء هجس في قلبي» و حينئذ يكون معنى قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «أنت القائل: أي في نفسك، أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أن ما جئت به الحق».
«و لما بلغ عتبة ما قاله أبو جهل قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو» و قد تقدم معنى مصفر استه.
و ذكر السهيلي هنا أن هذه الكلمة لم يخترعها عتبة و لا هو أبو عذرتها، فقد قيلت لبعض الملوك و كان مترفها لا يغزو في الحروب يريدون صفرة الخلوق و الطيب، و سادة العرب لا تستعمل الخلوق و الطيب إلا في الدعة و تعيبه في الحرب أشد العيب. و أظن أن أبا جهل لما علم بسلامة العير استعمل الطيب و الخلوق، فلذلك قال له عتبة هذه الكلمة و إنما أراد مصفر بدنه، و لكنه قصد المبالغة في الذم، فخص منه بالذكر ما يسوؤه أن يذكر هذا كلامه.