السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٩٩ - باب غزوة بدر الكبرى
الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء و أنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت؟.
ثم قلت لهنّ: و أيم اللّه لأتعرضن له، و إن عاد قاتلته، و غدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة و أنا مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه، فدخلت المسجد فرأيته، فو اللّه إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود إلى بعض ما قاله فأوقع به، إذ هو قد خرج نحو باب المسجد يشتد: أي يعدو، فقلت في نفسي ما له لعنه اللّه؟
أكل هذا فرق؟ أي خوف مني، فإذا هو يسمع ما لم أسمع، سمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري و هو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره، أي قطع أنفه و أذناه، و حول رحله و شق قميصه، و هو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة: أي أدركوا اللطيمة، و هي العير التي تحمل الطيب و البز، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها. و في لفظ: إن أصابها محمد لم تفلحوا أبدا، الغوث الغوث. قال العباس: فشغلني عنه و شغله عني ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعا، أي و فزعوا أشد الفزع؛ و أشفقوا: أي خافوا من رؤيا عاتكة.
و يروى أنهم قالوا: أ يظن محمد و أصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي، و اللّه ليعلمنّ غير ذلك، فكانوا بين رجلين: إما خارج، و إما باعث مكانه رجلا، أي و أعان قويهم ضعيفهم؛ و قام أشراف قريش يحضون الناس على الخروج، و قال سهيل بن عمرو: يا آل غالب أ تاركون أنتم محمدا و الصباة من أهل يثرب يأخذون أموالكم؟ من أراد مالا فهذا مالي، و من أراد قوتا فهذا قوتي و لم يتخلف من أشراف قريش إلا أبو لهب، أي خوفا من رؤيا عاتكة، فإنه كان يقول رؤيا عاتكة كأخذ بيد، أي صادقة لا تتخلف و بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة: أي استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه دينا أفلس بها أي قال له اخرج و ديني لك، أي و يقال إن ذلك الدين كان ربا. و من ثم جاء في لفظ: و كان لاطه بأربعة آلاف درهم، قال أبو عبيد:
و سمي الربا لياطا لأنه ملصق بالبيع و ليس ببيع.
و في كلام البلاذري، أنه قامر أبا لهب على أن يطيعه فيما أراد، فقمره أبو لهب فأسلمه إلى ضيق، أي ضيق عليه بالطلب، ثم قامره فقمره أبو لهب أيضا، فأرسله مكانه إلى بدر و هشام هذا قتله عمر بن الخطاب في هذه الغزوة، حتى أن أمية بن خلف أراد القعود و كان شيخا جسيما ثقيلا، فجاء إليه و هو جالس مع قومه عقبة بن أبي معيط بمجمرة فيها مجمر: أي بخور يحملها حتى وضعها بين يديه. ثم قال: يا أبا عليّ استجمر فإنما أنت من النساء، فقال له: قبحك اللّه و قبح ما جئت به، أي و كان عقبة كما في فتح الباري سفيها. و كان أبو جهل سلط عقبة على ذلك. و في