السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٧٩ - باب تحويل القبلة
أو أن هذا العمل لم يكن على التوالي.
أقول: و بدخوله أي على أم بشر (صلى اللّه عليه و سلم) و على الربيع بنت معوذ ابن عفراء، و على أم حرام بنت ملحان، و على أختها أم سليم، و الخلوة بكل منهن، فقد كانت أم حرام بنت ملحان تفلي رأسه الشريفة و ينام عندها، استدل أن من خصائصه (صلى اللّه عليه و سلم) جواز النظر إلى الأجنبية و الخلوة بها لأمنه الفتنة كما سيأتي، و اللّه أعلم.
و سمي ذلك المسجد مسجد القبلتين، و قيل كانت تلك الصلاة التي هي صلاة الظهر التي وقع التحول فيها في مسجده (صلى اللّه عليه و سلم)، فخرج عباد بن بشر و كان صلى مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و مرّ على قوم من الأنصار يصلون العصر و هم راكعون فقال: أشهد باللّه لقد صليت مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل البيت يعني الكعبة ثم بلغ أهل قباء ذلك و هم في صلاة الصبح في اليوم الثاني أي و هم ركوع، و قد ركعوا ركعة فنادى مناد: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، فتحولوا إليها.
أي و في البخاري «بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد أنزل عليه الليلة قرآن، و قد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فاستداروا إلى الكعبة، و في مسلم بدل صلاة الصبح صلاة الغداة. قال الحافظ ابن حجر: و هو أحد أسمائها.
و قد نقل بعضهم كراهة تسميتها بذلك، و لم ينقل أنهم أمروا بقضاء العصر و المغرب و العشاء، و لا إعادة الركعة التي صلوها من الصبح، و هو دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به و إن تقدم نزوله. و على أنه يجوز ترك الأمر المقطوع به، و هو استقبال بيت المقدس إلى أمر مظنون و هو خبر الواحد.
و أجيب عن هذا الثاني بأن الخبر المذكور احتفت به قرائن أفادت القطع عندهم بصدق المخبر، فلم يتركوا الأمر المعلوم إلا لأمر معلوم أيضا. على أنه يجوز نسخ المتواتر بالآحاد، لأن محل النسخ الحكم، و دلالة المتواتر عليه ظنية كما تقرر في محله. و يقال إن المبلغ لهم عباد بن بشر أيضا فيكون عباد أتى بني حارثة أولا في صلاة العصر ثم توجه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في وقت الصبح، و القرآن الذي نزل قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: الآية ١٤٤] الآيات أي و إلى هذا يشير بعضهم بقوله:
كم للنبي المصطفى من آية* * * غراء حار الفكر في معناها
لما رأى الباري تقلب وجهه* * * ولاه أيمن قبلة يرضاها
و عن عمارة بن أوس الأنصاري، قال: صلينا إحدى صلاتي العشي أي و هما الظهر و العصر، فقام الرجل على باب المسجد و نحن في الصلاة، فنادى: إن الصلاة