السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٩١ - باب الهجرة إلى المدينة
قال بعضهم: و قوله (صلى اللّه عليه و سلم) لعثمان ما ذكر. أي ضع حجرك إلى جنب حجر عمر يرد على من زعم أن هذا منه (صلى اللّه عليه و سلم) إشارة إلى قبورهم، أي إذ لو كان إشارة إلى ذلك لدفن عثمان بجانب عمر كما دفن عمر بجانب أبي بكر، بل هو إشارة إلى ترتيب الخلافة، أي لأنه لا يستفاد من قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «هؤلاء الخلفاء بعدي إلا ذلك» و من ثم جاء في رواية «فسئل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن ذلك، فقال أمر الخلافة من بعدي».
و تصحيح الحاكم لما ذكر يظهر التوقف في قول بعضهم إن هذا لم يجىء في الصحيح إلا أن يريد صحيح الشيخين.
و أما قوله قال البخاري في تاريخه: إن ابن حبان لم يتابع على الحديث المذكور، لأن عمر و عثمان و عليا قالوا: لم يستخلف النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقد يقال عليه:
معناه لم ينص على استخلاف أحد بعينه عند موته، و ذلك لا ينافي الإشارة إلى وقوع الخلافة لهؤلاء بعده، و لا ينافي قوله «هؤلاء الخلفاء بعدي» لجواز أن يراد الخلافة في العلم. ثم رأيت ابن حجر الهيتمي أشار إلى ذلك حيث قال: قلت هذا أي وضع تلك الأحجار، و قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «هؤلاء الخلفاء بعدي» مع احتماله للخلافة في العلم و الإرشاد متقدم على وقت الاستخلاف عادة و هو قرب الموت، فلم يكن نصا سالما من المعارض هذا كلامه «ثم قال للناس ضعوا أي الحجارة فوضعوا، و رفع بالحجارة أي قريب من ثلاثة أذرع، و بني باللبن و جعل عضادتيه أي جانبيه بالحجارة و سقفه بالجريد، و جعلت عمده» و في رواية «سواريه من جذوع النخل، و طول جداره قامة» أي كان ارتفاعه قدر قامة.
قال: و عن شهر بن حوشب قال: لما أراد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يا بني المسجد قال «ابنوا لي عريشا كعريش موسى ثمامات و خشبات و ظلة كظلة موسى، و الأمر أعجل من ذلك، قيل: و ما ظلة موسى؟ قال: كان إذا قام أصاب رأسه السقف» انتهى.
أي فالمراد اجعلوا سقفه يكون بحيث إذا قمت أصاب رأسي السقف، أو رفعت يدي أصابت السقف.
و الجمع بين هاتين الروايتين يدل على أن المراد ما هو قريب من ذلك، بحيث لا يكون كثير الارتفاع، فلا ينافي ما يأتي من أمره بجعل ارتفاعه سبعة أذرع فليتأمل.
و في سيرة الحافظ الدمياطي «فقيل له: أ لا تسقف؟ فقال: عريش كعريش موسى، خشبات و ثمام» أي و قيل للحسن: ما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يده بلغ العرش: يعني السقف.
و في رواية «لما أراد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بناء المسجد، قال: قيل لي: أي قال له