السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٦ - باب الهجرة إلى المدينة
التكسر، فقد صحت الأخبار و تواترت الآثار بإنشاد الأشعار بين يديه (صلى اللّه عليه و سلم) بالأصوات الطيبة مع الدف و بغيره، و بذلك استدل أئمتنا على جواز الضرب بالدف و لو فيه جلاجل لما هو سبب لإظهار السرور. و على جواز إنشاد الشعر و استماعه، حيث خلا عن هجو لغير نحو فاسق متجاهر بفسقه، و خلا عن تشبب بمعين من امرأة أو غلام، و الخلاف إنما هو في سماع الملاهي كالأوتار و المزامير، و خوف الفتنة من سماع صوت المرأة أو الأمرد الجميل.
و نقل عن الجنيد أنه قال: الناس في السماع: أي سماع الآلات على ثلاثة أضرب العوام و هو حرام عليهم لبقاء نفوسهم. و الزهاد و هو مباح لهم لحصول مجاهداتهم. و العارفون و هو مستحب لهم الحياة قلوبهم. و ذكر نحوه أبو طالب المكي، و صححه السهروردي في عوارف المعارف.
و في كلام بعضهم: جبلت النفوس حتى غير العاقلة على الإصغاء إلى ما يحسن من سماع الصوت الحسن، فقد كانت الطيور تقف على رأس داود عليه الصلاة و السلام لسماع صوته، لكن يشكل على ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة عن صفوان بن أمية و هو من المؤلفة قال: «كنا عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إذ جاء عمر بن قرة، فقال: يا رسول اللّه إن اللّه كتب عليّ الشقوة فلا أنال الرزق إلا من دفي بكفي، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): لا إذن لك و لا كرامة و لا نعمة، كذبت أي عدوّ اللّه: أي يا عدوّ اللّه، و اللّه لقد رزقك اللّه طيبا فاخترت ما حرّم اللّه عليك من رزقه، مكان ما أحل اللّه لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد كهذه المقالة، لضربتك ضربا وجيعا» إلا أن يقال هذا النهي إن صح محمول على من يتخذ ضرب الدف حرفة، و هو مكروه تنزيها. و قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «اخترت ما حرم اللّه عليك» إلى آخره للمبالغة في التنفير عن ذلك.
«و نزل (صلى اللّه عليه و سلم) على أبي أيوب و قال: المرء مع رحله، أي بعد أن قال أي بيوت أهلنا يعني أهل تلك المحلة من بني النجار أقرب؟ فقال أبو أيوب: داري هذه و قد حططنا رحلك فيها، فذهبت تلك الكلمة أي التي هي: المرء مع رحله مثلا و قال:
اذهب فهيّئ لنا مقيلا فذهب فهيأ ذلك، ثم جاء فقال: يا نبي اللّه قد هيأت مقيلا فقم على بركة اللّه تعالى، و نزل معه (صلى اللّه عليه و سلم) زيد بن حارثة رضي اللّه تعالى عنه».
أقول: و في رواية «فتنازع القوم أيهم ينزل عليه» أي كل يحرص على أن تكون داره له منزلا أي مقاما «فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك، فلما أصبح غدا حيث أمر» و حينئذ يكون قوله (صلى اللّه عليه و سلم):
أنزل الليلة: أي غد تلك الليلة، و لا يخالف هذا ما قبله من قول بني النجار هلم إلينا، و قوله لهم: إنها مأمورة، لجواز أن يكون أمر بالنزول عليهم.