السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٥ - باب الهجرة إلى المدينة
الفراش و حوّل وجهه، و دخل أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه فانتهرني، فأقبل عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: دعها» و في رواية «قال أبو بكر بمزمور» و في رواية «بمزمار» و في لفظ «بمزمارة الشيطان في بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال ذلك مرتين و انتهرني، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) متغشيا بثوبه، فكشف النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عن وجهه الشريف، فقال: دعها يا أبا بكر فإنها أيام عيد» أي لأن تلك كانت أيام منى.
و قيل كان يوم عيد الفطر. و قيل الأضحى، و لا مانع من تعدد الواقعة.
أقول: في البخاري عن الربيّع بنت معوّذ «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) دخل عليها غداة بنى عليها و عندها جويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: و فينا نبي يعلم ما في غد، فقال لها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لا تقولي هكذا، و قولي ما كنت تقولين».
و في حديث أبي هريرة «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) خرج في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول اللّه إني كنت نذرت إن ردك اللّه سالما أن أضرب بين يديك بالدف، فقال لها: إن كنت نذرت فاضربي، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر و هي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحتها و قعدت عليه؛ فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): إن الشيطان ليفرق منك يا عمر، إني كنت جالسا و هي تضرب و دخل أبو بكر و هي تضرب، فلما دخلت أنت ألقت الدف» أي و إذا كان الشيطان يخاف منك فما بالك بامرأة ضعيفة العقل.
و لا ينافي هذا: أي سماعه الغناء من المرأة مع الضرب على الدف ما تقدم في باب ما حفظ به (صلى اللّه عليه و سلم) في صغره من أمر الجاهلية، لأن الدف ثم كان معه مزمار بخلافه هنا، و تسمية أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه الدف مزمارا، لأنه كان يعتقد حرمة ذلك، فشبهه بالمزمار المحرم سماعه.
قال بعضهم: و اعلم أن السماع في طريق القوم معروف و في الجواذب إلى المحبة معدود و موصوف. و قال بعض آخر: إنه من أكبر مصايد النفوس أي و الرجوع بها إلى اللّه تعالى. و قد شوهد تأثير السماع في الحيوانات غير الناطقة بل في الأشجار، و من لم يحركه السماع فهو فاسد المزاج غليظ الطبع.
و عن أبي بشير: أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبا بكر مرّا بالحبشة و هم يلعبون و يرقصون و يقولون:
يا أيها الضيف المعرج طارقا* * * لو لا مررت بآل عبد الدار
لو لا مررت بهم تريد قراهم* * * منعوك من جهد و من إقتار
أي و لم ينكر عليهم، و به استدل أئمتنا على جواز الرقص حيث خلا عن