السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٠ - باب الهجرة إلى المدينة
فلا يبقى منافق و لا كافر إلا خرج إليه» و في رواية «ينزل الدجال السبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج اللّه منها كل منافق و كافر» و بهذا استدل من قال: كون المدينة تنفي الخبث ليس عاما في الأزمنة و لا في الأشخاص، لأن المنافقين كانوا بها، و خرج منها جماعة من خيار الصحابة منهم علي و طلحة و الزبير و أبو عبيدة بن الجراح و معاذ بن جبل و عبد اللّه بن مسعود.
و في كلام ابن الجوزي أن عبد اللّه بن مسعود مات بالمدينة، و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم):
«أيّ أرض مات بها رجل من أصحابي كان قائدهم و نورهم يوم القيامة» و في رواية «فهو شفيع لأهل تلك الأرض».
و أما قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» أي خير لهم من بلاد الرخاء، بدليل صدر الحديث «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه و قريبه هلم إلى الرخاء هلم إلى الرخاء و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، و الذي نفسي بيده لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف اللّه من هو خير منه» أي من خرج منها رغبة عنها إلى غيرها من بلاد الرخاء و السعة فلا دليل في ذلك على أنها أفضل من مكة.
و من أسمائها أكالة البلدان، و من أسمائها البارة بتشديد الراء، و تسمى الفاضحة لأن من أضمر فيها شيئا أظهر اللّه ما أضمره و افتضح به: أي فالمراد أضمر شيئا من السوء. و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم) «من سمى المدينة يثرب فليستغفر اللّه تعالى، هي طابة» كشامة «هي طابة، هي طابة، قال ذلك ثلاثا» و في رواية «فليستغفر اللّه، فليستغفر اللّه، فليستغفر اللّه، هي طيبة» كهيبة «هي طيبة، هي طيبة، هي طائب» ككاتب.
قيل: و إنما سميت طيبة لطيب رائحة من مكث بها و تزايد روائح الطيب بها، و لا يدخلها طاعون و لا دجال، و لا يكون بها مجذوم: أي لأن ترابها يشفي من الجذام، و تسميتها يثرب في القرآن إنما هو حكاية لقول المنافقين أي بعد نهيهم عن ذلك، و قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «لا أراها إلا يثرب» أي و نحو ذلك من كل ما وقع في كلامه (صلى اللّه عليه و سلم) من تسميتها بذلك كان قبل النهي عن ذلك انتهى.
أي و جاء «إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها» و يأزر بكسر الزاي أي ينضم و يجتمع بعضه إلى بعض، و في رواية «إن الإسلام بدأ غريبا، و سيعود غريبا كما بدأ، يأزر كما تأزر الحية إلى جحرها»، و إنما كرهت تسميتها بيثرب، لأن يثرب مأخوذ من التثريب و هو المؤاخذة بالذنب، و منه قوله تعالى لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف: الآية ٩٢] أو من الثرب بالتحريك و هو الفساد.
و عن القاسم بن محمد، قال: بلغني أن للمدينة في التوراة أربعين اسما، و قيل