السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٧٨ - باب الهجرة إلى المدينة
الأنصار إن اللّه عز و جل قد أثنى عليكم، فما الذي تتبعون عند الوضوء و عند الغائط» أي المعبر عنه بالطهور «فقالوا: يا رسول اللّه نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التّوبة: الآية ١٠٨]» هذا كلامه. و في رواية، «فقال إن اللّه قد أحسن إليكم الثناء في الطهور، فما هذا الطهور الذي تتطهرون به؟
قالوا: يا رسول اللّه ما نعلم شيئا، إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلناها كما غسلوا» و في لفظ «كنا نستنجي بالماء في الجاهلية، فلما جاء الإسلام لم ندعه، قال: فلا تدعوه» و في لفظ «قالوا نتوضأ للصلاة و نغتسل من الجنابة، فقال: هل مع ذلك غيره؟ قالوا لا غير إن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحبّ أن يستنجي بالماء» و في رواية، «نستنجي من البول و الغائط» زاد في رواية «و لا ننام الليل كله على الجنابة، قال: هو ذاك فعليكموه» أي ألزموه.
أي و في مسند البزار عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما سألهم قالوا: إنا نتبع الحجارة الماء. قال بعضهم في إسناده ضعف، و بهذا و ما تقدم من ذكر الحجارة يرد على الإمام النووي حيث قال: هكذا أي ذكر الحجر مع الماء في خبر الأنصار بقباء رواه الفقهاء في كتبهم، و ليس له أصل في كتب الحديث، بل المذكور فيها أنهم قالوا كنا نستنجي بالماء و ليس فيها مع الحجر. أي و يكون السكون عن ذكر الحجر لكونه كان معلوما فعله.
و في الخصائص الصغرى أن مما اختص به (صلى اللّه عليه و سلم) في شرعه و أمته الاستنجاء بالجامد، و بالجمع فيه بين الماء و الحجر.
و من أهل قباء عويمر بن ساعدة قال في حقه (صلى اللّه عليه و سلم) «نعم العبد من عباد اللّه و الرجل من أهل الجنة عويمر بن ساعدة» أي لأنه كان أول من استنجى بالماء كما قيل، أي و من ثم جاء تخصيصه بالسؤال. فقد روى البيهقي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى عويمر بن ساعدة فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى اللّه عليكم به. فقال: يا نبي اللّه ما خرج منا رجل و لا امرأة من الغائط» الحديث، و هذا السياق ربما يقتضي أن الاستنجاء بالماء لم يكن معروفا في غير أهل قباء نزول هذه الآية.
و في كلام بعضهم: أول من استنجى بالماء إبراهيم الخليل. و كره بعض الصحابة الاستنجاء بالماء و هو حذيفة، و لعله لكونه في الاستنجاء بالماء عدول عن الرخصة.
و نقل عن ابن عمر أنه كان لا يستنجي بالماء، و لعله لما ذكرنا، و كذا ما نقل عن ابن الزبير «ما كنا نفعله» و عن الإمام أحمد أنه لم يصح حديث في الاستنجاء بالماء. و بالغ مغلطاي في رده. و عن سيدنا مالك إنكار أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) استنجى بالماء،